قصة جديدة

لمحة نيوز

بنتي عمرها 15 سنة كانت تشتكي من الغثيان ووجع بطنها أسابيع، وزوجي كان يرد علي كل مرة بنفس البرود تدلّع علينا.
لا تضيعين وقت وفلوس.
كنت أحاول أقنع نفسي إن يمكن هو فاهم أكثر مني، يمكن أنا أم وأبالغ من الخوف، لكن كل يوم كان وجه هَيلي يقول لي إن في شيء أكبر من التعب.
هَيلي ما كانت بنت هادية بطبعها.
كانت تملأ البيت صوت وضحك، ترمي حقيبتها عند الباب، وتدخل المطبخ تسأل وش العشاء وهي تصور كل شيء بجوالها وكأنها تصنع فيلم صغير من يومها.
كانت تحب الكورة، تحب التصوير، تحب تجلس على الأرض في غرفتها تكلم صديقاتها بالساعات، وتضحك ضحكة تخلي البيت كله يخف.
لكن خلال أسابيع قليلة، صارت تتحرك مثل شخص شايل هم أكبر من عمره.
كانت تمشي ببطء، تمسك بطنها بدون ما تحس، وتوقف فجأة إذا جاها الألم.
شفتها أكثر من مرة تنحني عند الدرج، وتعض على شفايفها عشان ما تطلع صوت.
أول مرة قالت لي يمه، أحس بطني ينعصر، حطيت يدي على جبينها.
ما كان فيها حرارة.
قلت يمكن برد، يمكن أكل ما ناسبها، يمكن توتر من المدرسة.
سويت لها شاي نعناع، وخليتها ترتاح.
بعدها بيومين، رجع الغثيان.
بعدها صارت الدوخة.
بعدها صار التعب جزء من شكلها.
مارك كان يشوفها تمر من قدامه، ويعلق بدون ما يرفع عينه من جواله ترى كذا المراهقين.
يبون اهتمام.
كنت ألتفت له وأقول مارك، البنت مو طبيعية.
فيرد إنتي تكبرين السالفة.
كل مرة فيها ألم تودينها مستشفى؟.
كان فيه شيء في طريقته ما يريحني.
مو بس إنه يرفض.
كان يغضب بسرعة غريبة كل ما أجيب سيرة الطبيب.
كأن كلمة مستشفى تضايقه أكثر من مرض بنتنا نفسه.
مرة قلت له أنا بحجز لها موعد.
وقف من مكانه بسرعة، وقال قلت لك لا.
ما عندنا فلوس نرميها على أوهام.
نظرت له باستغراب.
وضعنا ما كان مثالي، لكننا ما كنا عاجزين عن كشف طبي.
وكان أكثر شيء وجعني إنه ما سألها مرة وين الألم؟ من متى؟ هل تقدرين تنامين؟
هَيلي بدأت تنسحب منا كلنا.
صارت تجلس في غرفتها أكثر الوقت.
الهودي ما يفارقها، حتى والجو دافي داخل البيت.
كانت تغطي نفسها وكأنها تختبئ من عيوننا.
وإذا دخلت عليها

فجأة، كانت ترتبك وتخفي جوالها تحت المخدة.
كنت أحاول أقرب منها بدون ما أخوفها.
أجلس عند طرف سريرها وأسألها بهدوء حبيبتي، في شيء صار؟ أحد ضايقك؟.
كانت تهز راسها وتقول لا يمه.
لكن عيونها ما كانت تقول لا.
عيونها كانت تستغيث.
في الليل، كنت أسمعها تتحرك كثير.
صوت خطوات خفيفة للحمام، صوت ماء، ثم صمت طويل.
مرة لقيت علبة دواء غثيان في سلة المهملات، ما أدري من وين جابتها.
رفعتها بيدي وأنا أحس أصابعي تبرد.
سألتها عنها، فقالت بسرعة من صديقتي.
قالت يمكن تساعدني.
الكلام كان مرتبك، والخوف كان واضح.
لما واجهت مارك، انفجر.
فتشيتي الزبالة بعد؟ خلاص، جننتي البنت.
قالها كأنه يدافع عنها، لكن نبرته ما كانت حنان.
كانت تهديد مبطن.
وكأن خوفي على بنتي صار ذنب.
في الليلة اللي غيرت كل شيء، صحيت على صوت مكتوم.
بالبداية حسبته من الحلم، بعدين تكرر.
بكاء خفيف، محبوس، يطلع من غرفة هَيلي.
قمت من السرير بهدوء عشان ما أصحي مارك، ومشيت في الممر والظلام يغطي البيت.
دفعت باب غرفتها شوي، وشفتها منكمشة مثل ورقة.
كانت ماسكة بطنها بيدينها، ووجهها شاحب لدرجة خفت ألمسها.
المخدة تحت خدها كانت مبللة، وأنفاسها متقطعة.
قربت منها وقلت هَيلي؟.
فتحت عيونها بصعوبة.
في اللحظة ذيك، ما شفت بنت مراهقة تتمرد أو تمثل.
شفت طفلة خايفة، متألمة، وتدور على أمها.
قالت بصوت مبحوح يمه تكفين وقفي الوجع.
كأن أحد كسر شيء
داخل صدري.
جلست جنبها، ضميتها، وحسيت جسمها يرتجف.
حاولت أهدئها، بس هي كانت تعض على شفايفها من الألم.
سألتها ليش ما قلتي لي من البداية؟.
دفنت وجهها في صدري وهمست كنت خايفة.
سألتها خايفة من شنو؟.
سكتت.
سكتت سكون يخلي القلب يطيح.
نظرت خلفي باتجاه غرفة نومنا، حيث كان مارك نايم وكأن البيت ما فيه بنت تتألم.
في ذيك اللحظة، ما عاد يهمني صوته ولا غضبه ولا رأيه.
قلت لها بكرة بنروح المستشفى.
شدت على يدي.
لا تقولين له.
الجملة نزلت علي مثل ماء بارد.
حاولت أبتسم وأقول ما راح أقول له.
لكنها ما ارتاحت.
ظلت تطالع الباب كأنها تخاف يفتح.
في الصباح، تصرفت كأن كل شيء عادي.

جهزت القهوة لمارك، وسمعته يتكلم عن دوام طويل واجتماع مهم.
كان مستعجل.
قبل لا يطلع، وقف عند باب المطبخ وسألني بنظرة ضيقة هَيلي نامت زين؟.
قلت أحسن شوي.
ما أدري ليش كذبت، لكني كنت أحميها.
بعد ما سمعت صوت سيارته يبتعد، دخلت غرفة هَيلي.
كانت جاهزة وكأنها ما نامت.
لابسة عباية خفيفة فوق ملابسها، ووجهها شاحب.
مسكت شنطتي، وخليتها تستند علي لين وصلنا السيارة.
طول الطريق إلى مستشفى سانت هيلينا، ما تكلمت إلا مرة.
قالت يمه، إذا صار شيء لا تخلينه يزعل.
التفت لها بسرعة.
مين؟ أبوك؟.
عضت على شفتها وسكتت.
كان الطريق قصير، لكنه حسّيته أطول طريق في حياتي.
كل إشارة توقفنا عندها كانت تزيد خوفي.
كنت أشوفها من طرف عيني، يدها فوق بطنها، وإبهامها يتحرك فوق القماش بحركة عصبية.
كأنها تحاول تثبت لنفسها إنها موجودة.
في المستشفى، أخذونا لغرفة كشف صغيرة.
الجدران بيضاء، والضوء قاسي، وريحه المعقم تخنق.
الممرضة كانت لطيفة، سألت هَيلي أسئلة كثيرة.
متى بدأ الألم؟ هل في ترجيع؟ هل في نزيف؟ هل فقدت وزن؟ هَيلي كانت ترد بصوت خافت، وأنا أحاول ألتقط كل تفصيلة.
لما دخل الدكتور آدلر، كان هادئ بطريقة محترمة.
سألها بلطف، وفحص بطنها بحذر.
أول ما ضغط على الجهة اليمنى، شهقت هَيلي ورفعت ركبتها تلقائياً من الألم.
وجه الدكتور تغير، لكنه حاول يخفي.
قال بنطلب تحاليل دم وسونار.
نبغى نشوف الصورة كاملة.
انتظرنا.
أخذوا منها دم، ثم نقلوها لغرفة السونار.
كنت واقفة جنبها وهي مستلقية، والموظفة تمرر الجهاز فوق بطنها.
الشاشة كانت موجات رمادية ما أفهم منها شيء، لكني فهمت وجه الموظفة.
صارت هادية أكثر من اللازم.
حاولت أسأل في شيء؟.
قالت الدكتور بيشرح لكم.
هذه الجملة كانت أسوأ من أي جواب.
رجعنا غرفة الكشف.
هَيلي كانت ترتجف من البرد أو الخوف، ما عاد أقدر أفرق.
غطيتها بالبطانية البيضاء وجلست جنبها.
دقائق الانتظار صارت ثقيلة، وكل صوت قدم في الممر يخليني أرفع راسي.
لما فتح الباب، دخل الدكتور آدلر وهو ماسك ملف.
ما ابتسم.
ما قال لا تخافون.
فقط أغلق الباب خلفه ببطء.
قال مدام
كارتر، نحتاج نتكلم.
هَيلي نظرت لي.
عيونها صارت واسعة، مبللة، وفيها ذعر قديم.
الدكتور جلس على الكرسي المقابل، ثم نظر إلى هَيلي بنبرة ناعمة أعرف إنك خايفة، بس إحنا هنا عشان نساعدك.
بعدها التفت لي وقال بصوت أخفض الصورة تبين إن في شيء داخلها.
ما قدرت أستوعب.
شيء داخلها؟ يعني ورم؟ التهاب؟.
صوتي كان يتكسر مع كل احتمال.
الدكتور سكت لحظة، ثم قال في كتلة كبيرة داخل البطن، ومعاها مؤشرات التهاب وضغط على الأعضاء.
نحتاج تدخل سريع وفحوصات إضافية.
لكن في شيء ثاني لازم نعرفه.
هَيلي بدأت تبكي بصمت.
سألها الدكتور بلطف هَيلي، هل أحد أعطاك أدوية؟ حبوب؟ أي شيء خلال الأسابيع الماضية؟.
رأسها نزل.
وأنا شعرت إن الأرض تتحرك تحت رجولي.
قلت حبيبتي، جاوبي الدكتور.
ما راح أحد يلومك.
لكنها ما تكلمت.
كانت أصابعها ماسكة طرف البطانية بقوة.
عاد ولو للحظة.
القضية مع مارك لم تنتهِ في يوم واحد.
حاول ينكر، حاول يقلب القصة، حاول يقول إن الرسائل أُسيء فهمها، وإنه كان يؤدب بنتنا لأنها تمثل المرض.
لكن التقارير الطبية، والتحاليل، والرسائل، وشهادة هَيلي، كلها وقفت في وجهه.
لم يعد الأمر رأيي ضد رأيه.
صار هناك دليل على ما حاول دفنه بالصوت العالي.
أخذت أمراً يمنعه من الاقتراب منها، وبدأت إجراءات الانفصال.
لم يكن القرار سهلاً، ليس لأنني شككت، بل لأن الخروج من بيت مبني على الخوف يشبه الخروج من غرفة مظلمة؛ حتى الضوء يؤلم في البداية.
هَيلي بدأت علاجاً نفسياً.
في أول جلسات، كانت تدخل وهي ماسكة يدي.
بعد فترة، صارت تدخل وحدها وتخرج بوجه أخف.
مرة في السيارة قالت لي يمه، كنت أحسب إن الألم غلطتي.
توقفت عند الإشارة، ولم أستطع الرد فوراً.
ثم قلت الألم كان رسالة.
والغلط كان على اللي خلاك تخافين تقولينها.
اليوم، هَيلي ليست كما كانت قبل كل هذا، وأنا أيضاً لست كما كنت.
المرض شفى جسدها، لكن الحقيقة كشفت بيتاً كاملاً كان يحتاج عملية أعمق.
تعلمت أن الأم أحياناً لا تحتاج دليلاً أكثر من تغير صوت بنتها، وأن التأجيل باسم الهدوء ممكن يتحول إلى خطر.
لكن السؤال الذي بقي يوجعني
ليس فقط لماذا فعل مارك ذلك.
السؤال الأصعب كم مرة سامحنا البرود لأنه جاء بصوت واثق؟ وكم مرة صدقنا الشخص الأعلى صوتاً، وتركنا الشخص الأكثر ألماً يثبت أنه لا يمثل؟

تم نسخ الرابط