قصة جديدة
الكلام ده وقع على كريم منصور كأنه صدمة عمره.
ولا منافس في شغله، ولا قضية خسرها، ولا حتى أقرب حد خانه قبل كده قدر يوجعه بالشكل ده.
ابنه الصغير عمر، اللي عنده خمس سنين، كان واقف تحت نور أعمدة الحديقة الخافت، وماسك بإيده الصغيرة إيد ولد مشرد لابس كوتشي مقطع وسويت شيرت قديم واسع عليه بشكل يبين قد إيه جسمه هزيل وتعبان.
والأغرب من كل ده...
إن الواد كان شكله مألوف بشكل مرعب.
عمر... تعالى هنا.
قالها كريم بصوت حازم وهو بيقرب منهم.
لكن عمر ما اتحركش.
بالعكس... شد على إيد الولد أكتر، وبص لأبوه بثقة الأطفال اللي عمرهم ما بيعرفوا يشكوا في إحساسهم.
وقال بهدوء
أنا عارفه يا بابا...
وسكت ثانية.
بشوفه في أحلامي.
في اللحظة دي كريم حس إن الهوا اختفى من حواليه.
الولد المشرد رفع وشه ببطء.
شعر أسود.
عينين حادتين.
ونظرة حذر أكبر بكتير من سنه.
نظرة طفل اتعلم بدري أوي إن الدنيا مش دايمًا رحيمة.
ورغم التراب والتعب والجوع اللي ظاهرين عليه...
كريم شاف حاجة خلته قلبه يقف لحظة.
شاف نفسه.
مش نسخة مطابقة.
لكن شبه كفاية يخلي الدم يتجمد في عروقه.
الولد لف وشه بسرعة، كأنه متعود إن الناس تبصله وتحكم عليه قبل ما تعرفه.
كريم بلع ريقه وسأله بهدوء
اسمك إيه يا حبيبي؟
الولد تردد شوية.
وبعدين قال
يوسف.
سكت لحظة صغيرة.
وأضاف بصوت واطي
يوسف رامي.
الاسم نزل على كريم زي الصاعقة.
رامي...
سارة رامي.
الست اللي حاول
الست اللي اختفت من حياته فجأة وسابتله رسالة قصيرة بس.
سامحني... ده الأحسن للكل.
كريم حس حلقه نشف.
العربيات ماشية.
الناس بتضحك.
الحياة مكملة حواليه عادي.
لكن بالنسبة له...
العالم كله كان بيتكسر تحت رجليه في اللحظة دي.
قال بصعوبة
مامتك...
وش يوسف اتغير فورًا.
مش غضب.
وجع.
وجع قديم ساكن جواه.
ماتت من شهرين.
قالها بهدوء كأن الدموع خلصت من زمان.
عمر اتأثر فورًا.
ومن غير تفكير خلع الهودي بتاعه ومده ليوسف.
هو بردان يا بابا.
يوسف فضل باصص للهودي كأنه مش مصدق.
كأنه نسي يعني إيه حد يهتم بيه.
أو يمكن عمره ما عرف أصلًا.
كريم كان واقف عاجز عن الكلام.
أخويا...
الكلمة اللي قالها عمر كانت بتلف في دماغه.
وبدأ يلاحظ تفاصيل حاول يتجاهلها.
شكل الفك.
العينين.
طريقة مراقبته لكل حركة حواليه قبل ما يقرر إذا كانت أمان ولا لأ.
دي مش صدفة.
مستحيل تكون صدفة.
كنت بتنام فين؟
سأله كريم بصوت منخفض.
يوسف هز كتفه وكأن الموضوع عادي.
في أماكن مختلفة.
وسكت شوية.
ورا مخبز ساعات... وعلى الدكك لما الأمن ما يطردنيش.
عمر فتح عينيه بصدمة.
إنت بتنام في الشارع؟!
يوسف هز راسه بالإيجاب.
عمر لف لأبوه بسرعة.
لازم ييجي يعيش معانا يا بابا.
كريم قفل عينيه ثانية واحدة.
من ساعتين بس كان أكبر همه اجتماع مهم مع مستثمرين.
ودلوقتي...
واقف قدام طفل مشرد ممكن يكون...
لا.
أكيد يكون...
ابنه.
فجأة يوسف
إنت كنت تعرف ماما.
ما كانتش سؤال.
كانت حقيقة.
كريم رد بهدوء
أيوه.
يوسف فضل باصصله بشك.
كانت محتفظة بصورة ليك.
الكلام دخل قلب كريم بشكل ما توقعوش.
يوسف كمل
كانت بتقول إنك راجل كويس...
وسكت لحظة.
بس الأغنيا مش دايمًا بيفضلوا.
الجملة ضربته في مقتل.
عمر كان بيبص بينهم بخوف وحيرة.
بابا؟
كريم نزل لمستوى يوسف.
عيد ميلادك إمتى؟
يوسف تردد.
سبعتاشر أكتوبر.
في اللحظة دي معدة كريم اتقبضت.
التاريخ ده.
مستحيل.
هو حافظه.
فاكر الليلة دي بالتفصيل.
الليلة اللي كان واقف فيها قدام أوضة مستشفى سارة قالتله إنها بتزور بنت خالتها فيها.
بنت خالة...
اكتشف دلوقتي إنها عمرها ما كانت موجودة أصلًا.
الحقيقة ضربته كلها مرة واحدة.
سارة ما اختفتش لأنها بطلت تحبه.
اختفت لأنها كانت حامل في ابنه.
وكانت فاكرة إن الهروب أأمن من المواجهة.
بص ليوسف تاني.
المرة دي بجد.
الكتاف الرفيعة.
الخدود الغائرة.
الإرهاق اللي باين على وش طفل المفروض يكون كل همه اللعب والدراسة.
ابنه.
ابنه اللي كان بينام في الشوارع.
في الوقت اللي هو كان بيبني شركات ويحقق نجاحات ويعيش حياة الناس كلها بتحسدها.
عربية سوداء فخمة وقفت جنب الرصيف.
السواق نزل بسرعة.
يا فندم؟
عمر أشار على يوسف بفخر طفولي بريء.
وقال
ده أخويا.
السواق اتجمد مكانه.
أما يوسف فحاول يفلت إيده من عمر.
أنا لازم أمشي.
لكن عمر رفض.
وشد على إيده أكتر.
لأ.
وصوته كان
إنت من العيلة.
يوسف بصله طويل.
كلمة العيلة لمست جواه حتة كانت فاضية بقالها سنين.
كريم وقف ببطء.
وفهم إن مفيش حاجة بعد اللحظة دي هتفضل زي ما كانت.
لا شركته.
ولا فلوسه.
ولا سمعته.
ولا الحياة المثالية اللي كان فاكر إنه مسيطر عليها.
كل ده بقى بلا قيمة.
لأن تحت نور عمود في حديقة هادية...
كان واقف طفل خايف.
طفل شايل ملامحه.
ودمه.
وسكوته.
وساعتها فهم أصعب حقيقة في حياته.
يوسف ما خذلتوش الدنيا بس.
هو كمان خذله.
حتى لو كان ما يعرفش بوجوده.
كريم قرب منه بهدوء.
وخلع الجاكيت الصوف الغالي اللي لابسه.
وحطه على كتاف يوسف.
وقال بصوت مخنوق
إنت مش هتنام في الشارع الليلة.
يوسف رفع عينيه ليه بحذر.
ليه؟
كريم حس صوته بيتكسر.
وقال
لأني حاسس... إني كان المفروض ألاقيك من زمان أوي.
ساد الصمت في الحديقة كلها.
ولأول مرة من يوم ما سارة اختفت من حياته...
عرف الحقيقة اللي خبتها كل السنين دي.
هو ما خسرش عيلة واحدة.
هو خسر عيلتين.
السواق كان واقف متجمد، مش عارف يفهم إيه اللي بيحصل، ولا إيه الموقف ده الغريب. كريم بقي واقف بيبص لولده الكبير اللي لسه عارف بوجوده دلوقتي، وقلبه كان بيتقطع عليه. إزاي طفل في السن ده عاش كل السنين دي لوحده؟ إزاي كان بياكل وينام ويتعامل مع قسوة الشارع وهو لسه صغير؟
قال كريم للسواق بصوت هادي بس حازم
محمود، فتح الباب الخلفي. هنروح البيت دلوقتي.
يوسف
أنا مش عايز