قصة جديدة

لمحة نيوز

15 سنة وهو بيجري ورا النجاح.

15 سنة بعيد عن الشارع الترابي اللي اتعلم يمشي فيه، بعيد عن ريحة القهوة اللي كانت أمه "أمينة" بتعملها مع أول ضوء للنهار، بعيد عن إيدين أبوه "الحاج محمود" الخشنة اللي دايمًا ريحتها تراب وشقا وتعب بالحلال.

حسام محمود بقى بالضبط الشخص اللي كان بيحلم يبقى عليه.

بدل مفصلة... اجتماعات في أبراج زجاجية... وحسابات بنكية أرقامها بقت أكبر من إنها تظهر في شاشة واحدة.

النجاح بقى لغته.

والفلوس بقت جواز سفره.

وكل شهر، من غير ما يفوّت مرة واحدة، كان بيبعت فلوس لأهله.

تحويلات بنكية بمبالغ كبيرة.

فلوس تكفي إنهم عمرهم ما يحتاجوا لحد تاني.

وكان دايمًا بيتخيل حياتهم:

سقف متصلح... سرير دافي... مطبخ مليان أكل... أمه مبتسمه ومش شايلة هم... وأبوه أخيرًا مرتاح من الشقا.

وكان متخيل يوم رجوعه هيبقى زي الاحتفال الكبير.

بس لما رجع أخيرًا...

ملقاش أي احتفال.

الشنطة الجلد وقعت من إيده أول ما دخل البيت اللي بالكاد عرفه.

الحيطان القديمة كلها شروخ كأنها جروح عمرها سنين.

السقف متغطّي بصاج مصدي.

والهوا البارد داخل من كل حتة.

أما الأرض...

فكانت مجرد تراب.

وهناك...

على الأرض...

كانوا أهله نايمين.

متكورين جنب بعض كأنهم بيحاولوا يدفّوا بعض من برد الدنيا.

أجسامهم بقت أصغر بكتير من اللي فاكره.

منحنية وضعيفة.

وغطاهم شوية خِرَق قديمة بالكاد متسميش بطاطين.

وبينهم...

طفلة صغيرة.

بدلته النبيتي اللامعة كانت عاملة زي نكتة سخيفة

وسط المنظر ده.

هو مكانش بيرتعش من البرد.

كان بيرتعش من حاجة أعمق.

ذنب...

خوف...

وعدم استيعاب.

"يا نهار أبيض..." قالها بصوت مكسور.

البنت الصغيرة صحيت الأول.

يمكن عندها 8 سنين... يمكن أقل.

شعرها منكوش.

ووشها متبهدل من التراب.

أول ما شافته واقف على الباب اتخضت وجريت استخبت في حضن الراجل العجوز.

"يا جدو..." همست وهي بتصحيه.

الحاج محمود فتح عينه بالعافية.

ولما شاف حسام...

ملقاش الفرحة اللي المفروض تبقى موجودة.

كان في حاجة أتقل.

حاجة شبه العار.

"حسام؟!" قالها كأنه مش مصدق إن ابنه واقف قدامه.

حسام قرب شوية.

وعينه بتلف في المكان كله وهو بيدور على أي تفسير.

حلة فاضية.

كانون فحم مطفي.

أطباق مكسورة متركنة في ركن البيت.

ولا حاجة من دي كانت منطقية.

لأن حسام بقاله 15 سنة بيبعت فلوس.

ومش شوية فلوس.

مبالغ تكفي يعيشوا أحسن عيشة.

"يا أبويا..." قالها وهو بيحاول يثبت صوته، "الفلوس راحت فين؟"

أمه وطّت راسها.

وإيديها كانت بتترعش.

أما البنت الصغيرة فكانت باصة عليهم كلهم وكأنها حاسة إن في مصيبة جاية.

وقبل ما حد يرد...

اتسمع صوت من آخر البيت.

باب خشب بيصرّ.

وخطوات بتقرب.

ببطء.

وبثقل.

حسام لف ناحية الضلمة.

وفجأة حس إن الدم جمد في عروقه.

لأن الشخص اللي خرج من الضلمة...

مكانش غريب.

كان حد بيثق فيه ثقة عمياء.

حد عمره ما كان يتخيل إنه يخونه.

البنت الصغيرة استخبت أكتر في حضن جدوها.

أمه شهقت.

وأبوه...

الراجل اللي عمره

ما خاف من حاجة...

كان مرعوب.

حسام مكانش قادر يتحرك.

ولا حتى يتكلم.

كل اللي قدر يعمله إنه يفضل باصص للشخص اللي قرب ناحية النور.

وفي اللحظة دي...

كل تحويلة فلوس بعتها.

وكل مرة سمع فيها: "إحنا كويسين يا ابني متقلقش."

وكل مكالمة طمنوه فيها خلال الـ15 سنة اللي فاتوا...

حس إنها كانت كذبة كبيرة.

مين الشخص ده؟

وإيه اللي جابه يعيش هنا؟

وفين راحت الملايين؟

وليه أهله شكلهم خايفين يقولوا الحقيقة؟

الشخص خرج من الضلمة بخطوات هادية...

لكن كل خطوة كانت بتخلي قلب حسام يدق أسرع.

ولما النور لمس وشه...

اتسمرت عيون حسام فيه.

"شريف؟!"

خرج الاسم من بين شفايفه بصعوبة.

شريف...

ابن عمه.

الولد اللي كبروا سوا.

اللي كان بيسيب له مفتاح بيته من غير تفكير.

اللي كان بيعتبره أخوه مش مجرد قريب.

وقف شريف مكانه.

ملامحه كانت متوترة.

لكن الغريب إنه ما بانش عليه الذهول من رجوع حسام.

كأنه كان متوقع اللحظة دي من زمان.

صرخ حسام: "إيه اللي بيحصل هنا؟!"

سكت الكل.

حتى الهوا كأنه وقف.

"أنا سألت سؤال... الفلوس راحت فين؟!"

أمينة بدأت تبكي.

أما الحاج محمود فأنزل رأسه للأرض.

وشريف أخد نفس طويل وقال:

"الفلوس ما راحتش يا حسام..."

اتسعت عيون حسام.

"أومال فين؟!"

مد شريف إيده ناحية الدولاب القديم الموجود في آخر الأوضة.

ومشى ناحيته ببطء.

فتح الباب الخشبي المهترئ.

وسحب صندوق حديد صغير.

قديم...

وعليه طبقات تراب سنين.

حطه قدام حسام.

وقال:

"افتحه.

"

ركع حسام على الأرض وفتح الصندوق.

وفجأة اتجمد مكانه.

جواه ملفات...

إيصالات...

مستندات...

ودفاتر كاملة.

بدأ يقلب فيها بسرعة.

كل تحويل مالي كان باعته موجود.

بالتاريخ.

وبالمبلغ.

وبالاسم.

ولا جنيه ناقص.

رفع رأسه بعدم فهم.

"يعني إيه ده؟"

رد الحاج محمود بصوت مكسور:

"ولا مرة صرفنا منهم حاجة يا ابني."

حسام حس كأن الأرض بتميد بيه.

"ليه؟!"

أجاب أبوه وهو بيحاول يحبس دموعه:

"عشان الفلوس دي كانت تعبك..."

"واحنا كنا خايفين نصرفها في حاجة مش مستاهلة."

"كل مرة تبعت فلوس كنا نقول نخليها ليوم ترجع فيه بنفسك."

اتنهد شريف وقال:

"عمك ومرات عمك رفضوا يسيبوا البلد أو يغيروا حياتهم."

"كانوا بيقولوا طول ما قادرين يعيشوا من شغل إيديهم يبقى أولى."

حسام بص لأمه بصدمة.

"يعني عشتوا كده بإرادتكم؟"

هزت رأسها وهي بتبكي.

"إحنا كنا مستنيينك يا ابني."

سكت للحظات.

لكن لسه في حاجة مش راكبة.

أشار للبنت الصغيرة.

"والبنت دي؟"

لأول مرة ابتسم الحاج محمود.

ابتسامة حزينة لكنها دافية.

شد الطفلة لحضنه وقال:

"دي رحمة."

"لقيناها من 3 سنين لوحدها بعد ما فقدت أهلها في حادث."

"ومحدش سأل عنها."

"فجبناها تعيش معانا."

البنت بصت لحسام بخجل.

وأضافت أمينة:

"بقينا بنعتبرها بنتنا."

حسام حس بغصة في حلقه.

كل الأفكار السودا اللي ملأت دماغه بدأت تنهار.

الفلوس ما اتسرقتش.

وشريف ما خانوش.

وأهله ما كذبوش عليه.

الحقيقة كانت أصعب...

وأجمل.

كانوا بيحبوه

أكتر مما تخيل.

لدرجة إنهم فضلوا يعيشوا ببساطة السنين كلها...

وخزنوا تعبه عشان يرجع يلاقيه زي ما هو.

انحنى حسام قدام أبوه وأمه.

ومسك إيديهم.

وقال بصوت مخنوق:

"سامحوني..."

"أنا جيت أدور على الفلوس..."

"ونسيت إن أغلى حاجة كنت بدور عليها طول السنين دي كانت موجودة قدامي."

في اللحظة دي...

ماحدش اتكلم.

لكن الدموع اللي نزلت من عيون الكل...

كانت كفاية تقول كل حاجة.

تم نسخ الرابط