قصة جديدة
بالحقيقة كصفعة
محمود السيد.
أخو شريف. الذي اختفى منذ ثلاث سنوات بلا أثر ولا سؤال.
نهضت أركض نحو ملك.
فتحت الباب فوجدتها جالسة على الأرض تضم الدب الذي اشتراه لها أبوها وتبكي بلا صوت.
يلا يا ملك لازم نمشي.
دلوقتي
دلوقتي.
ألبستها على عجل خطفت حقيبة صغيرة فيها بعض الملابس البطاقات الهاتف القديم ومفاتيح السيارة.
وقبل أن نخرج
سمعت صوتا.
تك تك تك.
باب البيت الخارجي يفتح.
شهقت ملك
دا بابا!
لا.
مستحيل أن يعود بعد نصف ساعة.
شددتها إلى صدري وتراجعنا خلف الباب المؤدي إلى الجراج. فتحت الساتر قليلا.
الظل الذي دخل لم يكن شريف.
كان رجلا يرتدي قبعة ملابس سوداء وفي يده كيس كبير.
تجمدت.
من هذا وكيف يملك مفتاح البيت
دخل بهدوء مرعب كأن المكان له.
اتجه إلى المطبخ فتح الحنفية وبدأ يفتش يجهز شيئا ما.
قبضت ملك على يدي بقوة وهمست
ماما دا اللي بابا كان بيكلمه.
لم أعد أملك رفاهية الانتظار.
فتحت باب الجراج بصمت هرعت إلى السيارة ثبت ملك في المقعد وأدرت المحرك.
سمع الصوت.
خرج الرجل مسرعا التف نحو الجراج.
دفعت السيارة إلى الخارج قبل أن يصل أغلقت الباب الحديدي خلفي وانطلقت إلى الشارع. ضغطت البنزين فانطلقت السيارة كرصاصة.
كانت ملك تبكي بلا صوت دموعها فقط تنهمر.
أما أنا فكنت أسمع دقات قلبي أعلى من صوت المحرك.
وصلنا إلى بيت أختي مها.
فتحت الباب وما إن رأتنا حتى خرج صوتها مذعورا
إيه اللي حصلكوا وليه ملك صوتها رايح
عندها فقط
انهارت قدماي.
دخلت وجلست ثم انهرت.
انهار الجسد قبل الصوت وانسكبت الحكاية دفعة واحدة من أول كلمة خرجت من فم ملك إلى ظل الرجل الذي حاول اقتحام البيت.
مها كانت شاحبة عيناها واسعتان من الرعب
طيب لازم نروح قسم الشرطة فورا.
هززت رأسي وصوتي خرج مكسورا
ولو شريف له حد في الشرطة لو في حد يعرفه لو كل ده متخطط له من بدري
شهقت مها
إنت فاكرة إنه ممكن ي
لم أجب.
لأن الإجابة كانت واضحة أكثر مما أحتمل ومرعبة أكثر مما يقال.
نامت ملك أخيرا على الكنبة من فرط الخوف والإرهاق.
جلست أنا ومها نخطط همسا كأن الجدران لها آذان.
قالت مها
خدي عربيتي وروحي بيت خالتي في أسوان. محدش يعرف مكانها. اقعدي يومين. وأنا أحاول أفهم شريف عايز إيه.
قلت بسرعة
ما تواجههوش. دا خطر.
هزت رأسها
مش هواجهه بس لازم نعرف مين الشخص اللي معاه.
قبل ما نتحرك
رن هاتفي.
شريف.
اسمه ظهر على الشاشة ويدي تجمدت كأنها قطعة جليد.
رددت وصوتي يرتعش
ألو
قال بنبرة هادئة طبيعية وده اللي خوفني أكتر
إنت فين ليه مش في البيت وليه العربية مش موجودة
قلت
نزلت قدام البيت ملك تعبانة و
قاطعني
طب ليه التليفون القديم مش معايا
تجمدت.
عرف.
يعني
ولا الراجل قاله
نبرة صوته تغيرت. بقت ميتة
اسمعي يا منال رجعي البيت. دلوقتي. ومتلعبيش ألعاب مش بتاعتك. اللي حصل النهارده كان مجرد
سكت لحظة ثم أكمل
خطوة أولى.
أغلقت الخط قبل أن أسمع الباقي.
قالت مها بصوت مخنوق
هو عارف إن الشنطة اتفتحت.
حملنا ملك وهي نائمة وركبنا سيارة مها.
وأنا في الطريق كان إحساس غريب ينهشني كأني أنسى شيئا أو كأني أرى التفاصيل متأخرة.
فجأة استيقظت ملك وقالت
ماما بابا هيلاقيك.
التفت إليها
سمعتي إيه تاني
مسحت دموعها وقالت
بابا قال في المكالمة هي هتهرب وأنا هلاقيها. أعرف هي بتروح فين وأعرف تفكيرها.
ارتعشت.
نعم شريف يعرفني.
يعرف إني هاروح لمها.
يعرف إني ممكن أروح لأمي.
يعرفني أكثر مما ينبغي.
قلبي ضرب صدري بعنف.
لازم أغير الطريق.
أوقفت السيارة على جانب الطريق. سألتني مها
بتعملي إيه
قلت
مش هاروح أسوان. هو هيتوقع ده.
أمال هتروحي فين
نظرت إلى ملك ثم قلت
المكان الوحيد اللي عمره ما هيتخيله بيت أبويا القديم.
البيت اللي شريف بيكرهه وما قربش له من عشر سنين.
وصلنا بعد الغروب.
بيت قديم رائحته تراب أبوابه تئن مع كل حركة لكنه آمن.
جهزت سريرا صغيرا لملك ثم جلست في الصالة والهاتف القديم في يدي.
لازم أعرف مين م س.
قلبت في الملفات واحدا تلو الآخر
إلى أن وجدت فيديو.
فتحته.
كان شريف واقف في أوضة شبه أوضة مستشفى وحواليه ورق كتير.
كان بيتكلم مع واحد نص وشه ظاهر.
الرجل قال أنت فاكر إنك بعد اللي عملته زمان هتعرف ترجع كل حاجة
شريف رد بصوت متوتر أنا مش هسمح إن مراتي أو بنتي ياخدوا ميراث الشركة لازم يتشالوا من الصورة.
اتنفست بصعوبة. ميراث إيه علاقة دا بالشركة
والصدمة الأكبر الرجل اللي نص وشه باين كان محمود أخوه المفقود.
يبقى محمود مش ميت. ومش مفقود. ومعاهم خطة.
بالليل وأنا قاعدة في الضلمة سمعت خبط خفيف على الباب.
قلبي وقع.
قمت بهدوء وفتحت فتحة صغيرة.
كانت مها.
فتحت لها بسرعة إيه اللي حصل
دخلت وقالت منال اسمعيني الموضوع أكبر من اللي فاكرينه.
قولي.
شريف واخد قرض ضخم باسمك وعايز يتخلص منك قبل ما القضية تتفتح. ومحمود راجع وعايز الشركة. وشريف شايف إن انتي وملك حجر عثرة.
سندت على الحيطة يعني فعلا كان ناوي
هزت راسها ببطء أيوه.
ملك صحت على صوتنا وخرجت وشافتني بعيط وجريت
بعد يومين من الهروب وبعد ما مها جمعت كل الأدلة روحنا النيابة. قدمنا كل حاجة المكالمات الفيديو الشنطة الأوراق المزورة.
اتقبض على شريف ومحمود في نفس اليوم. الراجل اللي كان في بيتنا اعترف بكل حاجة.
ملك رجعت تضحك تاني ببطء. وأنا لسه بتعالج لسه بخاف من صدى الخطوات لكن كل يوم بفتكر كلمة ملك
ماما
وبفهم إن في لحظة طفلة عمرها ست سنين كانت الشجاعة اللي أنا مقدرتش أكونها.
تمت