في اليوم الذي قَطَعَت فيه حماتي شعري وطردتني إلى المعبد

لمحة نيوز

في اليوم الذي قَطَعَت فيه حماتي شعري وطردتني إلى المعبد، لم تكن تعلم أن ما فعلته سيجعلها تندم على ذلك طوال حياتها. كنت في الخامسة والعشرين من عمري، وتزوجت مباشرة بعد تخرّجي من الجامعة. تعرّفت إلى زوجي خلال الدراسة؛ كان حبّنا بسيطًا ونقيًا، لا يعرف الحسابات ولا المصالح. هو رجل طيب ومجتهد، يؤمن أن العمل والصبر يحلان كل شيء، لكن والدته كانت عكسه تمامًا، امرأة اشتهرت في الحيّ بصرامتها وقسوتها وحدّة لسانها. في اليوم الذي اصطحبني فيه لمقابلتها لأول مرة، نظرت إليّ من أعلى إلى أسفل وقالت ببرود جارح: «فتاة فقيرة من الريف… هل ستستطيع الحفاظ على هذه العائلة؟» ابتسمت يومها رغم أن قلبي انقبض، وأقنعت نفسي أن الاجتهاد والطاعة سيغيّران رأيها مع الوقت، لكنني كنت مخطئة. منذ اليوم الأول لي في بيتها، لم ترَ فيّ سوى الأخطاء، انتقدت كل ما أفعله، من طريقة طبخي إلى طريقة جلوسي وكلامي، ولم أسمع منها يومًا كلمة ثناء واحدة. كان سبب كرهها لي واضحًا؛ فقد خططت منذ سنوات لأن يتزوج ابنها فتاة ثرية من المنطقة، وظهوري في حياته دمّر مشروعها

بالكامل. أمام الضيوف، كانت تتعمّد إحراجي بعبارات تبدو عابرة لكنها تجرح كالسكاكين: «في هذا الزمن، الزواج يحتاج إلى المال، ماذا يفعل الإنسان مع من لا تملك شيئًا؟» كان زوجي يسمع ذلك، لكنه نادرًا ما دافع عني، يلوذ بالصمت أو يغيّر الموضوع، وكنت أنا أبتلع دموعي وأقنع نفسي أن الصبر واجب وأن عليّ التحمل من أجله. في أحد الأيام، سافر زوجي في رحلة عمل لمدة أسبوع، وبقيت وحدي في المنزل أعتني بالدكان العائلي وأقوم بكل الأعمال. وفي ذلك اليوم المشؤوم، سقطت مني زجاجة زيت بالخطأ، وانسكب الزيت على الأرض. ما إن رأت حماتي المشهد حتى انفجرت غضبًا، صراخها ملأ البيت، تتهمني بالإهمال والتخريب وكأنني ارتكبت جريمة. فجأة أمسكت بي بعنف، وسحبتني إلى إحدى الغرف وأغلقت الباب، أخرجت مقصًا، وقبل أن أستوعب ما يحدث بدأت تقصّ شعري الطويل الذي اعتنيت به منذ طفولتي. كنت أصرخ وأقاوم: أرجوكِ يا أمي لا… شعري… لكنها صرّت على أسنانها وقالت بقسوة: «كل هذا الشعر لماذا؟ لتلفتي أنظار الرجال؟ سأقصّه كله لتعرفي معنى الإهانة!» كان صوت المقص وهو يقطع خصلات
شعري كأنه يقطع شيئًا من روحي، ودموعي اختنقت في صدري لكنها لم تتوقف. بعد أن انتهت، رمت لي حقيبة صغيرة وقالت ببرود قاتل: «من الآن فصاعدًا ستذهبين إلى المعبد، لا أريد امرأة بلا حياء في بيتي.» سقطت على ركبتي أرجوها، أقسم لها أنني لم أفعل شيئًا خاطئًا، لكنها أدارت ظهرها وغادرت، وتركتني أرتجف في فناء البيت. خرجت أحمل حقيبتي، وأنظار الجيران وهمساتهم تطاردني، والمطر بدأ يتساقط خفيفًا والبرد يتسلل إلى عظامي. لم أعرف إلى أين أذهب، سوى كلمة واحدة ظلت ترن في رأسي: المعبد. سرت حتى وصلت إلى معبد صغير في أطراف القرية، نظرت إليّ الراهبة المسؤولة بعينين مليئتين بالشفقة، وسمحت لي بالبقاء والعمل في المطبخ. بشعري المبعثر وعينيّ المتورمتين، أصبحت حديث الناس، لكن داخل المعبد لم يوبخني أحد، ولم يجرحني أحد بكلمة. كنت أنظف وأطهو وأزرع الخضروات، وصوت الجرس ورائحة البخور منحاني سكينة لم أعرفها من قبل. قالت لي الراهبة يومًا: «لا تحملي الحقد في قلبك، عيشي حياتك جيدًا، فالزمن كفيل بأن يكشف الحقيقة.» أخذت بنصيحتها، التحقت بدورة خياطة
في المدينة، أدرس صباحًا وأعمل في المعبد بعد الظهر. بعد ثلاثة أشهر، أصبحت ماهرة، وبدأت أبيع ملابس من خياطتي للزوار، ثم افتتحت متجرًا صغيرًا عند مدخل المعبد، وأصبح لي دخل كريم وحياة مستقلة. كان زوجي يزورني سرًا، يبكي ويطلب مني العودة، لكنني كنت أقول له بهدوء إنني لن أعود إلى مكان كُسرت فيه كرامتي. مرت سنتان، وفي تلك الفترة مرضت حماتي مرضًا شديدًا، وخسر زوجي الدكان بسبب ديون تراكمت عليه، وتخلى عنه أقاربه واحدًا تلو الآخر. لم يجدوا من يقف معهم سوى “الزوجة الفقيرة” التي طردوها يومًا. جاءني زوجي مكسورًا، وأخبرني أن أمه تريد رؤيتي. ذهبت إليها، فوجدتها على فراشها ضعيفة، نظرت إليّ بعينين مليئتين بالندم، وطلبت الصفح وهي تبكي، واعترفت أنها ظلمتني بدافع الكِبر والطمع. سامحتها، ليس لأنها استحقت، بل لأنني لم أرد أن أحمل الكراهية في قلبي. خرجت من بيتها مرفوعة الرأس، أدركت أن قصّ شعري وطردي كانا بداية حياتي لا نهايتها، وأن الله عوّضني كرامة وقوة وسلامًا داخليًا، بينما بقيت هي تعيش بقية عمرها بندم لا يفارقها.

تم نسخ الرابط