في ذلك الصباح بدا كل شيء عاديا غادرت إلى نوبتي في العيادة وقلبي مليء بالطمأنينة لأنني اعتقدت أن ابنتي لوسيا ستكون بأمان مع جدتها كارمن قبلت لوسيا وداعا ووضعت يدي على رأسها لأتحسس شعرها الكثيف الأسود الناعم شعرت بالراحة كما أفعل كل صباح وعيناها تلمعان ببريق الطفولة البريء سقط شعرها على ظهرها كستارة من الحرير كانت تنظفه كل ليلة بعناية ليس بدافع الغرور بل لأنه جزء من شخصيتها جزء من إحساسها بذاتها شيء يجعلها تشعر بأنها كاملة وغادرت أنا وزوجي خافيير في وقت مبكر وأنا أبتسم له وأقول له أن يهتم بها لقد وثقنا بأمه اعتقدنا أنها لن تؤذيها أبدا أو على الأقل لم نفكر أبدا أن الشر قد يكون بهذا القرب في ذلك اليوم كانت الشمس مشرقة والهواء دافئ لكن شعورا غريبا بالقلق بدأ يتسلل إلى داخلي كظل لا أستطيع التخلص منه عندما عدت إلى المنزل بعد ظهر ذلك اليوم شعرت فور دخول المنزل أن هناك شيء خاطئ صمت غريب خيم على المكان لم يكن هناك أي صوت من التلفاز ولا ضحكات ولا خطوات صغيرة كما اعتدت كان كل شيء جامدا هادئا بشكل غير طبيعي توجهت نحو غرفة المعيشة وهناك رأيتها جالسة على الأريكة جلست بثبات ويديها مطوية في حضنها تحدق في الجدار بعينين خاليتين من أي بريق لم تنظر إلي لم تبتسم لم تتحرك لمست كتفها بخفة وعندما استدارت ببطء سقط قلبي لقد اختفى شعرها لم يكن مقصوصا بطريقة عادية لم يكن مجرد تقليم قليل بل
حلقت رأسها بشكل قاس غير متكافئ تاركة فروة رأسها مكشوفة تقريبا كأنها جريمة مقصودة شعرت بالغضب يتدفق في عروقي ولكن مع ذلك لم أصرخ لم أصرخ لأنها لم تبك لم تحتج صمتها كان أثقل من أي صراخ أثقل من أي شعور بالألم أتى صوت كارمن من المطبخ بهدوء مخيف قالت وهي تبتسم ابتسامة باردة هي بحاجة إلى تعلم التواضع هذا الشعر جعلها تعتقد أنها مميزة لا ينبغي للفتيات أن يكن فخورين بمظهرهن شعرت بالغثيان لكنني لم أتحرك لم أستطع الكلمات لم تكن كافية لوقف ما حدث لاحقا عاد خافيير إلى المنزل وعندما رأى ابنته تجمد كتمت أنفاسه للحظة ظننت أنه سيقف ويحميها لكن كارمن كانت أسرع منه بدأت توبخه وتقول له أن الشعر سينمو مرة أخرى وأنه لا داعي للقلق نظر خافيير إلى الأرض ولم يرفع صوته وقال بصوت خافت الأمر ليس بهذه الخطورة ستكون بخير في تلك الليلة لوسيا لم تأكل ذهبت إلى السرير وهي ترتدي ملابسها بالكامل ممسكة بدميتها مثل درع يحيط بها جلست بجانبها يداي ترتجفان لم أصرخ ولم أواجه كارمن لأنني فهمت أن الكلمات لن تحمي طفلي شعرت بالعجز شعرت بالغضب شعرت بالحزن لكنني قررت أن أتحرك بطريقة مختلفة في اليوم التالي أخذت لوسيا إلى المدرسة وحاولت حمايتها من نظرات الآخرين كان شعرها يغطي أقل مما كان يجب وكانت تحاول إخفاء رأسها وراء قبعتها الصغيرة كانت عيونها تبحث عن أي إشارة مني للتطمين لكنها لم تنظر مباشرة إلي شعرت بأن جزءا
من طفولتها قد سرق لكنني كنت مصممة على استعادته جلست مع خافيير بعد العشاء وحيدين تحدثت بصوت ثابت لكن حاد كفاية ليصيب قلبه بالحقائق قلت له لا يمكن السماح لأي شخص بإيذاء ابنتنا بهذه الطريقة لم يعد بإمكاننا الصمت ولا التسامح مع هذا الفعل كان علينا أن نوضح الحدود وأن نحميها من أي مؤذي خافيير جلس صامتا طويلا ينظر إلى الأرض ثم التفت إلي وقال بصوت منخفض سأقف إلى جانبك سأحميها شعرت ببداية الأمل شعرت بالقوة تتسلل إلى قلبي لم يعد كارمن قادرة على السيطرة على أي شيء بعد ذلك بدأت لوسيا تدريجيا تستعيد ابتسامتها ببطء شديد مع كل يوم كان شعرها ينمو مرة أخرى شعرت بالانتصار بطريقة هادئة لكنها عميقة شعرت بالقوة التي تولد من وقوفي إلى جانب ابنتي مهما كانت الظروف شعرت بالحب شعرت بالعدالة شعرت بالانتصار شعرت أنني أعطيتها درسا مهما عن أن لا أحد له الحق في التحكم بجسدها أو روحها وأن أي محاولة لذلك ستجد دائما من يقف في وجهها بجانبها شعرت أنها تعلمت أن الحماية أحيانا تأتي من القرارات الحازمة وليس فقط من الكلمات وأن كل صمت عن الظلم قد يترك أثرا لا يمحى في حياة الأطفال علمتني تلك التجربة أنا ولوسيا أن القوة ليست دائما في الصراخ أو المواجهة المباشرة بل في الوقوف بثبات في الحب الصامت في التوجيه الحازم وفي حماية من نحب بكل ما نملك من إرادة وأمل وبدأنا معا رحلة التعافي رحلة استعادة الطفولة المفقودة
رحلة استعادة الثقة بالنفس والاعتزاز بالذات رحلة تعلمنا فيها أن لا أحد يمكن أن يسرق هويتنا إذا كنا نملك الشجاعة للوقوف وبدأت لوسيا تدريجيا تستعيد كل جزء من شخصيتها ضحكت لعبت وبدأ شعرها ينمو وكأنها تقول لنا بأن القوة الحقيقية تكمن في من يقف بجانبنا وفي الحب الذي لا يقهر
مرت الأيام بعد الحادثة وكان كل يوم يحمل تحديا جديدا لوسيا كانت تخشى كل مرة تقترب فيها من المرآة أو تمشط شعرها الطويل كانت تنظر إلى انعكاسها وتلمس فروة رأسها بلطف كما لو كانت تخاف أن تؤذي نفسها كانت ترتدي قبعات وقمصان بألوان داكنة تحاول إخفاء أثر ما فعلته جدتها لكنني كنت ألاحظ كل تفاصيلها الصغيرة كل حركة صغيرة كل نفس حذر كل لمحة خوف كانت تقطر كالمطر على قلبي شعرت أنني بحاجة لأن أكون أقوى من أي وقت مضى أن أكون السند الحقيقي لها لم أكن أريد أن أشعر بالغضب فقط بل أردت تحويله إلى حماية وصبر كل صباح كنت أذهب مع لوسيا إلى المدرسة ونمشي ببطء على الرصيف أحكي لها حكايات صغيرة عن الفتيات الشجاعات اللواتي واجهن الصعاب وتغلبن عليها كانت تسمعني بعينين واسعة مليئتين بالفضول أحيانا كانت تبتسم ابتسامة صغيرة ثم تذهب لتختبئ خلف يدي وكأنها تخبرني بأن قلبها ما زال مرتعبا وفي البيت كنا نخصص وقتا خاصا كل مساء نجلس على الأرض أحيطها بذراعي وأروي لها قصصا عن القوة الداخلية وكيف أن الشعر ليس ما يحدد قيمة الإنسان بل