قصة جديدة
جدعنة فوزية: لما العين تشوف اللي القلب يخاف منه
للكاتبة نرمين همام
بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
الست فوزية، اللي شغالة عاملة نظافة في فندق "النجمة" بقالها سنين، شافت أشكال وألوان من الزباين. كانت دايماً تقول: "يا ما في الحبس مظاليم، ويا ما في الفنادق بلاوي"، وافتكرت إن خلاص مفيش حاجة ممكن تهزها.. لحد ما شافت البنت دي.
كل حاجة بدأت ليلة تلات، حوالي الساعة تمانية بالليل. دخل راجل في الأربعينات، اسمه عصام، لابس بدلة شيك بس عينيه فيها نظرة مريبة. وجنبه كانت واقفة بنت صغيرة مكملتش الـ 11 سنة، اسمها ليلى.. نحيفة، شعرها أصفر، وماسكة في شنطة ضهر سوداء كأنها ماسكة في دنيتها كلها.
لأول وهلة، أي حد يشوفهم يقول "أب وبنته راجعين من مشوار"، بس فوزية بـ "سنس" الستات الشغالة حست إن فيه حاجة غلط. البنت مكنتش بتنطق ولا كلمة، وعينيها دايماً في الأرض، وجسمها بيترعش كل ما عصام يقرب منها.
عصام مضى في السجل وحجز أوضة 112 لليلة واحدة، وقبل ما يطلع قال لموظف الاستقبال بلهجة حادة: "مش عاوز حد يدخل ينضف الأوضة خالص.. والستاير تفضل مفتوحة، مش عاوز حد يلمسها!"
فوزية استغربت، مين ده اللي يحب الستاير تفضل مفتوحة بالليل والناس شايفة اللي جوه؟ تاني ليلة، اتكرر نفس المشهد بالظبط: نفس الراجل، نفس البنت، ونفس الشنطة السوداء، ونفس الطلب الغريب.
فوزية مقدرتش تسكت، الفضول كان بياكلها والخوف على البنت كان بيوجع قلبها. في الليلة التالتة، قررت إنها تراقبهم. استنت لحد ما طلعوا الأوضة، واتسحبت وراهم في الممر الضيق. وبدل ما تخبط، افتكرت إن الستاير
راحت فوزية الجنينة، ووقفت تحت الشباك وهي بتكتم نفسها، ورفعت راسها براحة عشان تبص من ورا الإزاز.. وشافت حاجة خلت دمها يتجمد في عروقها!
ملقتش عصام بيضرب البنت، ولا لقيت اللي كانت خايفة منه.. لقيت "أدهى"! عصام كان فاتح الشنطة السوداء، ومطلع منها أجهزة غريبة، والبنت كانت قاعدة قدام شاشة كمبيوتر صغيرة وبتحرك صوابعها بسرعة رهيبة، وعصام واقف وراها بيمسك جهاز لاسلكي وبيقول بصوت واطي: "الهدف وصل.. البنت بدأت الاختراق، خمس دقايق والبنك اللي قدام الفندق سيستمه هيقع!"
فوزية اكتشفت إن البنت دي "عبقرية كمبيوتر" والراجل ده خاطفها عشان يسرق بيها حسابات البنوك اللي حوالين الفندق، والستاير المفتوحة كانت "إشارة" لناس تانية واقفة برا الفندق مستنية اللحظة المناسبة للهجوم!
في الليلة التالتة، فوزية مكنتش قادرة تنام، القلق كان بياكل قلبها حتى وهي في بيتها وسط عيالها. البنت كانت بتبان مكسورة أكتر يوم ورا يوم، والراجل "عصام" كان بيبان عليه العصبية والنرفزة، وماسك كتفها بقوة تخوف، كأنه خايف تهرب منه.
في الليلة السادسة، فوزية قالت "لحد كدة وبس". خرجت من الباب الخلفي بتاع الفندق، ولفيت حوالين المبنى لحد ما وصلت لشباك أوضة 112. الستارة مكنتش مقفولة بالآخر، كان فيه فتحة صغيرة أوي سمحت لفوزية إنها تبص.
من الفتحة دي، مشافتش غير خيالات.. بس الخيالات دي كانت كفيلة تخلي ركبها تخبط في بعض. شافت خيال الراجل وهو منحني فوق البنت. البنت كانت قاعدة على السرير، وكتفها كان بيترعش من كتر العياط المكتوم. فوزية اتنطرت
وفي صباح اليوم اللي بعده، الساعة 10:19 بالدقيقة، حصل اللي أكد لفوزية إن شكوكها في محلها: البنت كانت ماشية جنبه، ماسكة في شنطة ضهرها بإيد بتترعش لدرجة إن صوابعها ابيضت. وشها كان لونه مخطوف، وملامحها ميكس بين الرعب والذنب.. مكنتش بتضحك، ولا هو كمان.
ولما مروا من جنب أوضة المنظفات، فوزية لمحت حاجة خلت دمها يغلي.. البنت مكنتش قادرة تقف على رجليها، كانت بتترنح كأنها مريضة أو متخدرة. عصام كان شادد دراعها بقوة، بس مكنتش شدة خوف عليها، دي كانت شدة حد "بيجر" حاجة ملكه بالعافية.
فوزية مكنتش قادرة تستحمل أكتر من كدة، وقررت إن النهاردة لازم الحكاية دي تنتهي، حتى لو كان التمن شغلها!
لأول مرة من سنين طويلة، فوزية قررت تكسر قوانين الفندق، واستنت أول ما الراجل نزل يروح لعربيته، وراحت خبطت على باب الأوضة براحة خالص.
وهنا.. فوزية شافت الحاجة اللي رعبتها بجد، بس بشكل مكنتش تتخيله. البنت هي اللي فتحت الباب بنفسها، وشها كان لونه أصفر زي الليمونة. فوزية سألتها بحنان: "يا حبيبتي.. إنتي كويسة؟ فيكي حاجة بتوجعك؟"
البنت ردت بصوت واطي وضعيف أوي: "أنا بس.. محتاجة أنام شوية. حاسة بدوخة تانية وزغللة في عيني." فوزية سألتها بلهفة وهي قلقانة: "قوليلي يا بنتي.. الراجل ده بيعاملك كويس؟ بيإذيكي في حاجة؟"
البنت رفعت راسها واستغربت جداً، وقالت: "ده بابا.. وهو اللي بيساعدني، أنا تعبانة ومريضة أوي." وكأنها خافت إن فوزية متصدقهاش، فتحت شنطة الضهر السوداء بسرعة.. وطلبت من فوزية تبص جواها.
البنت بدأت تشرح لها: "إحنا بنيجي هنا كل شهر، عشان فيه دكتور قريب من الفندق بيعملي جلسات غسيل كلوي. الجلسة بتقعد وقت طويل أوي.. وبعدها بكون همدانة ومش قادرة أصلب طولي."
فوزية شهقت وحطت إيدها على بوقها من الصدمة والكسوف من نفسها. وفي اللحظة دي، عصام رجع. شاف الشنطة مفتوحة، وبص لوش فوزية اللي كان جايب ألوان، وشاف بنته الضعيفة.. وفهم الحكاية كلها في ثانية.
البنت قالت بسرعة قبل ما ينطق بكلمة: "هي كانت قلقانة عليا بس يا بابا.. افتكرت إنك بتعاملني وحش." عصام ابتسم ابتسامة باهتة وتعبانة، بس كانت كلها حنية، وقال: "حقها.. أنا كمان لو مكانها كنت هقلق. ليلى بقت ضعيفة أوي الفترة الأخيرة، وأنا ساعات بخاف عليها من الهوا الطاير."
فوزية وقفت مكانها متجمدة، مش عارفة تودي وشها فين من كتر الكسوف، وحست بوجع في قلبها على حالهم.
ده كان هو "الدوا" اللي شافته من ورا الشباك الليلة اللي فاتت وافتكرته مصيبة.. وفجأة، كل حاجة نورت في عقل فوزية، والصورة اللي كانت متشخبطة بقلق وخوف، بقيت واضحة وضوح الشمس بس بمعني تاني خالص.
ساعات اللي بنشوفه بعينينا وبنحكم عليه إنه "يخوف" أو وراه سر أسود، بيطلع وراه حقيقة مكسورة ومحتاجة الطبطبة. بلاش نحكم على الناس من لقطة واحدة أو موقف عابر، لإن اللي ممكن تفتكره بيأذي، يمكن يكون شايل شيلة ما يعلم بيها إلا ربنا، وبيقدم حب ورعاية في صمت من غير ما يطلب من حد حاجة.
الفضول اللي نابع من قلب خايف، وانتباهنا للتفاصيل الصغيرة، ممكن فعلاً ينقذ حياة أو على الأقل يوضح الحقيقة ويشيل الغمامة
بقلم الكاتبه نرمين همام
تمت