طعم اللقمة الحلال بقلم الكاتبة نرمين عادل همام

لمحة نيوز

بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم 

طعم اللقمة الحلال بقلم الكاتبة نرمين عادل همام

في ركن بعيد في حي شعبي، وسط دوشة المطارق وصوت الكمبروسر وريحة الشحم والزيت اللي مالية المكان، كان "عبد الرحمن" واقف شغال بجد وتعب. عبده ميكانيكي شاب، إيده خشنة من الشغل، وهدومه دايمًا مطفية بلون الزيت الأسود. عبده مكنش يملك من الدنيا كتير، بس كان يملك قلب يساع الكل، وشايل على كتافه شيلة تقيلة: أمه المريضة اللي محبوسة في البيت، وكل قرش بيطلعه من الورشة بيروح عشان يجيبلها الدوا.

في عز حر الصبحية، دخلت الورشة ست عجوزة، ماشية ببطء وهي بتزق "تروسيكل" قديم ومتهالك، صوت عجلاته كان بيزيق كأنه بيستغيث وخلاص هيتفك من بعضه. الست كانت جسمها صغير، وشعرها الأبيض ملموم لورا بنظام، وعينيها فيها طيبة وحنية بس وراهم سر عميق. الكاتبة نرمين عادل همام

قالت بصوت مرتعش: "صباح الخير يا ضنايا.. التروسيكل ده مطلع عيني وصوته غريب، ومبقتش عارفة أعمل إيه، وده اللي بسترزق منه."

عبده ابتسم لها ابتسامة صافية: "متخافيش يا حاجة، سيبيها على الله. هبص لك عليه دلوقتي، وإن شاء الله تكون حاجة بسيطة."

وطى عبده يفتح الموتور ويشوف العيب فين، وهي فضلت واقفة بتبص عليه بصمت. كانت مراقبة إخلاصه في الشغل، وأدبه وصبره عليها، وحست إنه بيفكرها بابنها اللي اتوفى من سنين. الكلام بدأ يجر بعضه، حكت له إنها عايشة لوحدها في بيت صغير على أطراف الحي، وصوت عبده اتخنق وهو بيحكي لها عن أمه.. الست اللي ضحت بعمرها كله عشانه، ودلوقتي نايمة على السرير مابتتحركش.

عبده قال

بصدق: "إنتي تفكريني بأمي يا حاجة.. عشان كدة لما بشوف حد كبير، مبيبقاش ورايا غير إني أساعده وأرضيه."

عيني الست  لمعت بالتأثر، مكلمتش، بس حست بمشاعر خاصة ناحية الشاب ده.. وقررت في سرها إنها "تختبر" معدنه الحقيقي. الكاتبة نرمين عادل همام

أول ما خلص تصليح التروسيكل وبقى صوته زي الحرير، عملت نفسها بتدور على محفظتها في شنطتها، وبعدين مثلت الإحراج وقالت بأسى: "يا مري يا ابني.. الظاهر إني نسيت المحفظة في البيت.. ومش معايا ولا مليم أديهولك."

عبده وقف ثواني، بص للتروسيكل وبعدين بص للست .. "ولا يهمك يا حاجة، إنتي مش مديونة ليا بحاجة. المهم خدي بالك وإنتي ماشية."

الست قالت بقلق: "بس.. الأسطى بتاعك.. هيقول إيه؟"

عبده قاطعها بابتسامة حزينة: "متقلقيش، فيه حاجات أهم من الفلوس بكتير."

في اللحظة دي، صوت "المعلم حمودة" صاحب الورشة رن في المكان زي الرعد: "بتقول إيه يا عبده؟ بتصلح للناس ببلاش؟" الكاتبة نرمين عادل همام

المعلم حمودة، بشعره الشايب ووشه العبوس، قرب وعينيه بتطق شرار. عبده حاول يشرح له الموقف، بس المعلم قاطعه بزعيق: "عشان إنت بتفكر بالطريقة دي، هتفضل طول عمرك فقير! إحنا هنا فاتحين ورشة مش جمعية خيرية!"

لف للست  وقال لها ببرود: "المرة الجاية يا حاجة، ابقي افتكري تجيبي معاكي فلوس." وبعدين شاور في وش عبده: "إنت مطرود.. مش عايز أشوف وشك هنا تاني."

الورشة كلها سكتت تماماً. عبده قلع جوانتي الشغل، حطه على الترابيزة، وطى راسه وقال بصوت واطي: "متشكر على الفرصة يا معلم.. يمكن أمي تضطر تستنى شوية كمان على الدوا."

الست 

ملقيتش كلام تقوله، بس قدرت تاخده في حضنها قبل ما يمشي وهو شايل هم الدنيا فوق كتافه.

بالليل، عبده رجع البيت وعينيه حمراء من كتمة الدموع. مخبّاش على أمه الحقيقة كلها، بس قال لها إنه بيدور على فرصة أحسن. وبره كانت الدنيا بتمطر، كأن المطر ده بيمهد لتغيير كبير. عبده مكنش يعرف إن الست العجوزة اللي شكلها غلبان دي، تطلع "الحاجة إلهام المنشاوي".. سيدة  متقاعدة وعندها ثروة ، بس دايمًا بتحب تمشي بساطة عشان محدش يعرفها. الكاتبة نرمين عادل همام

الحاجة إلهام معرفتش تنام الليلة دي، وهي بتفكر في الشاب اللي ضحى بلقمة عيشه عشان يعمل الصح.

بعد كام اسبوع، عبده جاله تليفون غريب بيعزمه على "إنترفيو" في عنوان جديد. لما وصل، وقف مذهول: قدامه ورشة ميكانيكا مودرن، متجهزة بأحدث الأجهزة، وعليها يافطة كبيرة مكتوب عليها: "مركز عبده للصيانة المتكاملة".

عبده لجلج في الكلام: "أكيد فيه غلط.. العنوان مش هنا."

الحاجة إلهام خرجت من جوه الورشة، وعينيها فيها نفس الحنية: "مفيش غلط يا ابني.. الورشة دي بتاعتك إنت."

عبده صوته اتخنق من التأثر: "بتاعتي أنا؟ ليه يا حاجة؟"

الحاجة إلهام طبطبت عليه وقالت: "لما ساعدتني وإنت مش مستني حاجة خالص، فكرتني بابني الله يرحمه. أنا مش بديك ورشة، أنا بديك الفرصة اللي إنت تستاهلها بجد ومحدش رضي يديها لك يا عم شاركني النص بالنص وانت بمجهودك وامانتك."

عبده حضنها والدموع نازلة على وشه زي المطر: "أنا مش عارف أقول إيه.. حاسس إني في حلم."

الحاجة إلهام ردت بحكمة: "متشكرنيش يا ابني، بس أوعدني إنك عمرك ما هتتغير مهما قابلت ناس

مش مقدرة قيمة الجدعنة والطيبة." الكاتبة نرمين عادل همام

الخبر انتشر في المنطقة كلها زي النار في الهشيم. المعلم حمودة، صاحب الورشة القديم، مجاش على باله اللي حصل، وراح بنفسه عشان يشوف "المركز" الجديد. لقى الدنيا زحمة، وعربيات غالية واقفة، وعبده شغال بمنتهى الثقة والاحترافية.

حمودة قال بلجلجة وإحراج: "واضح إن الدنيا ضحكت لك يا عبده.. مبروك." عبده رد عليه بكل هدوء: "لا يا معلم، الدنيا مضحكتليش، الدنيا بس رجعت لي اللي "كبرياءك" حاول ياخده مني."

الحاجة إلهام كانت واقفة جنب عبده، وضافت بكلمتين سمّ: "أنا بستثمر في البني آدمين مش في الأرقام يا معلم حمودة.. وإنت للأسف خسرت أحسن واحد كان عندك." مشي حمودة وهو حاطط راسه في الأرض ومنطقش بكلمة.

ومن وقتها، ورشة عبده بقت رمز للأمل في الحي كله. مكنش بس بيصلح عربيات، كان بيشغل معاه شباب صغيرين ومعندهمش خبرة، وبيديهم الفرصة اللي هو خدها قبل كدة. وكل يوم بعد العصر، كان يروح يزور الحاجة إلهام ببوكيه ورد، ويشرب معاها القهوة. هي مابقتش وحيدة، وهو مابقاش يحس إنه قليل في الدنيا الواسعة دي. الكاتبة نرمين عادل همام

بعد سنة، لما الحاجة إلهام تعبت أوي، عبده شالها في عينيه وخدمها كأنها أمه بجد. وقبل ما تودع الدنيا، ابتسمت وهمست له: "كنت عارفة إنك هتبقى راجل عظيم يا عبده." عبده فضل ماسك إيدها والدموع مغرقة وشه.

بعد كام شهر، وفي صدر الورشة على الحيطة الرئيسية، عبده علق لوحة نحاس مكتوب عليها: "إهداء إلى روح الحاجة إلهام المنشاوي.. اللي علمتني إنك مهما شوفت، عمره ما كان غلط إنك تكون بني آدم طيب." الكاتبة

نرمين عادل همام

كل ما حد يدخل الورشة ويقرأ اللوحة يسأل عنها، عبده يبتسم ويقول: "دي اللي خلت للقمة الحلال طعم."

نرمين عادل همام

تمت

تم نسخ الرابط