قصة جديدة

لمحة نيوز

همست وقالت بصوت واطي:
"خدني البيت الليلة."
كنت فاكر إنها مجرد ست وحيدة… لحد ما عرفت بعد كده إنها أصلاً مالكة نص العمارات اللي في الشارع كله.
العاصفة ضربت فجأة ومن غير أي إنذار.
في دقيقة كانت شوارع القاهرة عادية، وبعدها غرقت في مطر تقيل ونور العربيات مالي الشارع.
أنا كنت بقفل الكافيه اللي على الناصية… نفس الليلة كل يوم.
١٢ ترابيزة… ماكينة إسبريسو صوتها عامل زي واحد بيحتضر… والكاشير فاضي تقريبًا.
حياتي كلها كانت ماشية على الروتين ده.
عندي ٣٨ سنة… أب لوحدي… ومتأخر فعلًا شهرين في إيجار الشقة.
الحاجة الوحيدة اللي ممكن تتقال عليها رفاهية عندي كانت شمسية مكسورة سايبها ورا الكاونتر.
هي كانت قاعدة جنب الشباك بقالها أكتر من ساعة.
فستان أسود… شيك بس بسيط.
مفيش دهب ملفت ولا حاجة.
بس ساعة في إيدها شكلها غالي بطريقة هادية وغريبة.
ولا مرة مسكت موبايلها.
ولا اتململت.
ولا حتى ابتسمت.
كانت بس بتبص على المطر وهو بينزل على الزجاج… كأنها معندهاش حتة تانية تروحها.
وفجأة قامت، ومشت ناحية الباب قدامي.
الكافيه كان فاضي… والمطر بيخبط في الشبابيك بقوة.
قلت

لها:
"خليني أقفل الأول."
ابتسامة خفيفة ظهرت على طرف بقها، وقالت:
"أكيد."
قفلت الأبواب بسرعة… وطفيت النور… وخدت الشمسية القديمة من ورا.
أول ما خرجنا… الهوا كان قوي جدًا، لكن فتحتها فوقها برضه.
مشينا في الشارع الفاضي تقريبًا… والمية ماشية على الرصيف.
الغريب إنها ما كانتش متضايقة من المطر خالص.
كانت ماشية بثقة… كأن العواصف دي مش بتأثر في عالمها أصلاً.
بصتلي وقالت:
"إنت دايمًا مؤدب كده؟"
قلت:
"أيوه."
بصتلي نظرة سريعة وقالت:
"ده نادر."
لفينا من أول الشارع.
كنت فاكر إنها ساكنة في شقة عادية هنا قريب.
لكنها وقفت قدام بوابة سوداء ضخمة لفيلا كبيرة.
البوابة اتفتحت لوحدها.
اللي جوا كان شبه الأماكن اللي بنشوفها بس في الأفلام…
إضاءة هادية… جنينة كبيرة… وأرضيات رخام بتلمع تحت المدخل.
حارس أمن قرب وقال:
"مساء الخير يا مدام نجلاء."
مدام. مش آنسة.
نجلاء.
دخلت بكعبها كأنها مالكة المكان كله… وحطت ملف جلدي على الترابيزة اللي عند المدخل.
وأنا لسه واقف قريب من الباب… الميه بتنقط من جزمتي الرخيصة على أرضية ممكن تكون أغلى من مرتبي بسنة.
قالت بهدوء:
"اتفضل…
ما تقفش عند الباب كده."
دخلت بخطوات متروية… والبوابة اتقفلت ورايا.
البيت كان واسع بطريقة تخليك تحس إنك تايه.
سقف عالي… نجف كبير… وكل حاجة متوضبة كأن محدش عايش هنا.
خلعت جاكتي المبلول وأنا محرج شوية.
قالت وهي ماشية قدامي:
"اقعد."
قعدت على الكنبة الكبيرة في الصالة… وأنا حاسس إني غريب في مكان مش مكاني.
بعد لحظة، جابت فوطه وادتهالي.
قالت:
"امسح شعرك… هتتعب."
أخدتها منها وقلت: "شكرًا."
سكتت شوية… وبعدين جلست قدامي وبصتلي بنفس النظرة اللي بصتهالي في الكافيه.
وقالت:
"إنت عارف أنا جبتك هنا ليه؟"
هزيت راسي: "بصراحة… لأ."
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:
"عشان أشوفك."
استغربت: "تشوفيني؟"
قالت: "أيوه… أشوف أنت زي باقي الرجالة… ولا مختلف."
سألتها: "تقصدِ إيه؟"
تنهدت وقالت:
"بقالي سنين طويلة لوحدي… بس مش عشان محدش عايز يقرب. العكس… ناس كتير حاولت."
وقفت وبصت من الشباك على المطر.
وقالت: "بس أغلبهم كان شايف الفلوس… مش الإنسان."
لفت وبصتلي تاني:
"كنت عايزة أشوف رد فعلك لما قلتلك الكلام ده في الكافيه."
سألتها: "وإيه اللي شوفتيه؟"
ابتسمت وقالت: "الارتباك…
مش الطمع."
سكتت لحظة… وبعدين قالت:
"أنت حتى ما سألتش أنا مين… ولا بيتي قد إيه… ولا عندي فلوس قد إيه."
ضحكت بخفة: "مع إن أغلب الرجالة كانت هتعمل العكس."
قلت لها: "أنا بس كنت بوصلِك البيت."
بصتلي وقالت: "وعشان كده جبتك."
سكتت لحظة… وبعدين سألتني: "إنت عندك عيلة؟"
قلت: "عندي بنت… عندها تسع سنين."
سألتني: "وأمها؟"
قلت: "اتطلقت من زمان."
هزت راسها كأنها فهمت حاجة.
وبعدين قالت: "تعالى."
مشيت وراها لحد مكتب كبير في آخر الصالة.
فتحت الملف اللي كانت شايله… ولما بصيت… اتصدمت.
ده كان عقد بيع… المبنى اللي فيه الكافيه.
قالت: "أنا اللي اشتريته."
قلبي دق بسرعة.
قلت: "يعني… الكافيه ممكن يتقفل؟"
ابتسمت وقالت: "ممكن."
سكتت شوية… وبعدين حطت القلم قدامي وقالت:
"أو ممكن يبقى بتاعك."
بصتلها مصدوم: "بتاعي؟!"
قالت: "أنا بدور على حد يديره… حد أمين… حد فاهم قيمة الشغل."
قربت الملف وقالت: "لو وافقت… الكافيه هيتسجل باسمك… وإنت اللي هتديره."
سألتها: "ليه أنا؟"
ابتسمت وقالت: "عشان أول مرة أقابل راجل يوصلني البيت… من غير أي توقعات."
بصيت للقلم قدامي… وفهمت إن اللي
حصل الليلة دي… ممكن يغير حياتي كلها.
العاصفة كانت لسه برا… لكن جوه الفيلا… كان في بداية جديدة خالص.

تم نسخ الرابط