قصة جديدة العودة
سكتت ثانية، وبصيت من الشباك للشارع الفاضي
وبعدين قلت بهدوء غريب
الأكل كان عادي جدًا يا دكتور نفس الأكل اللي كل يوم.
الدكتور سكت لحظة، كأنه بيحاول يقرأ اللي بين السطور
طيب حضرتك ممكن تيجي المستشفى؟ في شوية أسئلة لازم تتجاوب.
قفلت المكالمة وابتسمت.
مش ابتسامة شماتة، لكن ابتسامة حد أخيرًا رجّع لنفسه حقه.
وصلت المستشفى بعد ساعة.
المنظر كان كفيل يهز أي حد
أربعة على سراير منفصلة، أجهزة، محاليل، ملامح مرهقة وخوف واضح.
أول ما شافني صوته كان ضعيف
إنتي عملتي إيه؟
قربت منه بهدوء، وقلت
ولا حاجة أنا بس سيبت كل واحد يشرب من نفس الكاس اللي كان بيشربه لغيره.
ملامحه اتغيرت مش فاهم.
الدكتور أخدني على جنب
التحليل المبدئي بيقول إن فيه مادة معينة اتاخدت بكميات صغيرة على مدار فترة مش مرة واحدة. المادة دي بتتراكم في الجسم ولما توصل لحد معين، بتعمل الأعراض دي.
رفعت عيني له وقلت
يعني مش حاجة حصلت امبارح بس؟
قال
لأ ده بقاله وقت.
ابتسمت بهدوء
تمام.
رجعت وقفت قدامهم، وكلهم باصين لي بنفس السؤال
الخوف.
قلت
فاكرين لما كنت بقولكم خليكم
واحدة منهم همست
إنتي قصدك إيه؟
رديت بهدوء
قصدي إن كل حاجة دخلت جسمكم كانت بإيدي بس مش سم حاجة أذكى من كده.
سكتوا
وأنا كملت
كنت بحط لكم أعشاب معينة مفيش فيها أي جريمة بس بتعمل تأثير تراكمي لو حد استهان بجسمه، لو حد ضغطه عالي، أو بياخد كافيين زيادة، أو بيسهر كتير
بصيت له مباشرة
أو بيعيش حياة غلط.
الدكتور قرب فجأة
حضرتك تقصدي إنك كنتي بتديهم حاجة من غير علمهم؟
لفيت له وقلت بثقة
كل حاجة كانت مواد مسموح بيها وموجودة في السوق مش ممنوعة، ومش سامة. بس الاستخدام الغلط هو اللي بيعمل كده.
الدكتور سكت لأنه فاهم إن مفيش جريمة واضحة.
رجعت بصيت لهم
دلوقتي مفيش استهزاء مفيش ثقة زايدة بس خوف.
قلت بهدوء تام
أنا ما أذيتش حد أنا بس خليت كل واحد يحس بضعفه.
خليتكم تقفوا قدام نفسكم من غير ما أرفع صوتي ولا أعمل فضيحة ولا حتى أمشي.
وقربت شوية، وهمست
بس المرة الجاية مش هكون لطيفة كده.
اتعدلت ووقفت مستقيمة
اطمئنوا هتقوموا بالسلامة.
بس عمركم ما هترجعوا
لفيت وبدأت أمشي
وآخر حاجة سمعتها ورايا صوت الأجهزة وأنفاسهم المتلخبطة.
خرجت من المستشفى
والهواء البارد خبط في وشي.
وأول مرة من زمان حسيت إني مش ضعيفة.
مش لأني انتقمت
لكن لأني اخترت نفسي من غير ما أوسخ إيدي.
القصة الثانية
طفل في السابعة لم يتبقَّ له سوى أسابيع، قدّم كل ما يملك مقابل شيء واحد فقط لكنه لم يكن لنفسه.
لم يكن ينبغي أن أدخل تلك الغرفة في المستشفى.
حتى الآن بعد سنوات ما زلت أتوقف أحيانًا عند تلك اللحظة، كأنها لم تنتهِ.
الناس في المدينة يبتسمون لي ويقولون إنني فعلت شيئًا عظيمًا
لكن الحقيقة؟
في ذلك اليوم كنت مجرد رجل يؤدي عمله.
جئت لأعيد مفاتيح سيارة لا أكثر.
كنت مستعجلًا.
لا أحب المستشفيات.
رائحتها صمتها نظرات الناس فيها كلها كانت تثقل صدري.
كنت على بعد خطوات من الخروج
عندما سمعت الصوت.
لم يكن بكاءً واضحًا
بل شيء أضعف من ذلك.
كأن أحدهم يحاول أن يبكي لكنه لا يملك القوة الكافية.
توقفت.
لا أعرف لماذا.
ربما كان يمكنني أن أتجاهله وأكمل طريقي
لكنني لم أفعل.
اقتربت من الباب.
كان مفتوحًا قليلًا.
نظرت إلى الداخل
وفي تلك اللحظة
عرفت أن حياتي لن تعود كما كانت.
كان هناك طفل.
نحيف جدًا
شاحب
كأن الحياة بدأت تنسحب منه ببطء.
كان مستلقيًا نصف جلوس، يتنفس بصعوبة، وصدره يرتفع وينخفض بشكل مؤلم.
ذراعه كانت مغطاة بالأنابيب والضمادات
لكن ما كسرني لم يكن شكله.
بل ما كان بجانبه.
كلب.
صغير ضعيف متسخ
شعره متشابك، وأضلاعه بارزة، وإحدى قدميه مربوطة بضمادة غير متقنة.
لكن رغم كل هذا
كان مستلقيًا بجانب الطفل بهدوء
كأنه يحرسه.
كأنه آخر شيء في العالم ما زال يقاتل لأجله.
يد الطفل كانت على رأسه
تتحرك ببطء شديد
كأنها تقول له
أنا هنا لا تتركك.
لم أشعر بنفسي وأنا أقول
إزيك يا بطل
رفع رأسه ببطء
ونظر إليّ.
لم يكن في عينيه خوف.
ولا حتى فضول.
فقط
تعب.
و رجاء.
رجاء ثقيل أكبر من عمره.
مد يده المرتجفة نحو طاولة صغيرة بجانبه.
أمسك برطمان زجاجي.
كان مليئًا بالعملات المعدنية.
بذل جهدًا كبيرًا فقط ليدفعه نحوي.
وهمس بصوت يكاد لا يُسمع
لو سمحت
اقتربت أكثر
وجلست بجانبه.
قلت له بهدوء
عايز إيه؟
نظر إلى الكلب أولًا
ثم إليّ
وفي تلك اللحظة
شعرت
قال
خده الفلوس دي كلها ليك بس خد كلبي وخبيه
توقف قليلًا ثم أكمل بصعوبة
قبل ما زوج أمي يرجع