سافرت علشان اشوف ابني
سافرتُ بقلبٍ يسبق الطائرة، أحملُ في حقائبي رائحة "البيت القديم" وهدايا اخترتها بالقطعة لأحفادي، قطعة من روحي كنتُ أودُ غرسها فيهم. بقيتُ سنة كاملة لم أرَ فيها "محمود"، كان كلامنا عبر الهاتف باهتاً ومقتضباً، إلى أن قال لي ذات مرة: "يا ماما، البيت بيتك في أي وقت".
لكن "الوقت" عند ابني كان له ثمنٌ آخر.
عندما وصلتُ، لم يفتح لي ذراعيه كما كنت أفعل له صغيراً، بل فتح "ساعته". — "يا ماما، إحنا مش قولنا الساعة 4؟ لسه 15 دقيقة!" ذهلتُ.. ظننتها دعابة ثقيلة، لكن وجهه كان جامداً كالحجر. — "يا حبيبي السواق استعجل، وأنا صدقت وصلت عشان أضمكم.." قاطعني ببرود: "هناء لسه بتوضب، والبيت مش جاهز.. استني بره معلش، هما ربع ساعة."
قفل الباب. نعم، ابني قفل الباب
مرت الربع ساعة، ثم نصف ساعة، ثم ساعة.. ولم يفتح أحد. في تلك اللحظة، لم توجعني قدماي من الوقوف، بل وجعني قلبي الذي أدرك الحقيقة: أنا لم آتِ مبكرة، أنا لم أكن مرغوبة بي من الأساس.
انسحبتُ بهدوء، أجرُّ خيبتي وحقيبتي، وفي أول بنسيون متواضع، جلستُ بفستاني الأنيق أنظر إلى سقفِ الغرفة المشروخ.. شروخاً تُشبه تماماً ما حدث في صدري.
في الصباح، فتحتُ هاتفي لأجد ركاماً من الرسائل، لكنها لم تكن رسائل اعتذار، بل كانت رسائل "عتاب وقح". محمود يتهمني بـ
ذهبتُ بكنوزي (الهدايا والذهب) إلى دار للأيتام. هناك، رأيتُ فرحةً حقيقية في عيون أطفالٍ لا يملكون شيئاً، فرحةً لم تكن لتمنحها لي زوجة ابني التي تعبد المظاهر. وزعتُ مالي وهداياي، وشعرتُ لأول مرة ببردٍ يغسل نيران قلبي.
بعد يومين، جاءني محمود إلى البنسيون، ليس نادماً، بل خائفاً على "بريستيجه" أمام الناس. — "فضحتيني يا ماما! يقولوا إيه وأنا فاتح بيت قد الدنيا وأمي قاعدة في بنسيون؟" نظرتُ إليه بهدوءٍ لم يعهده: — "البيت اللي
وعندما حاول استرضائي ليعيد "المصدر" الذي يمول حياته الفارهة، أخرجتُ له ورقة إلغاء التوكيل العام لأملاكي. — "التوكيل اتلغى يا محمود. ريع الأملاك دي هيروح لدار الأيتام. أنت عندك شهادتك، وريني هتعيش 'هناء' إزاي في مستواكم ده من غير فلوس 'الكركوبة' اللي مكنتش عاوزها تدخل بيتك."
انتقلتُ من خانة "الأم الضحية" إلى "المرأة الحرة". محمود خسر السند، وأنا ربحتُ نفسي. الآن، أجلسُ في بلكونة البنسيون، أرتشفُ شايي بالنعناع وأنا أنظر للسماء.. أدركتُ أن القسوة ليست دائماً ضرباً، بل هي أحياناً "ساعة" تُوضع في يد ابنٍ نسِيَ أن عمر أمه لا يُحسب
تمت.