خبت ابنها العيان
قام من مكانه وسحب جاكته، ونزل بخطوات هادية وصامتة. مريم كانت في الصالة الكبيرة بتمسح النجف، مسمعتش وقع خطواته وهي رايحة ناحية المخزن.
المواجهة الكبرى
آسر فتح باب المخزن ببطء. في الأول افتكر إنها سارقة حاجة، بس لما قرب، سمع صوت "نهنهة" ضعيفة.. صوت طفل بينازع الكحة. رفع البطانية، وشاف ياسين.
الطفل فتح عينه وشاف راجل غريب، بس من كتر التعب مكنش عنده حيل يخاف، مد إيده الصغيرة ولمس كفة إيد آسر وهمس بكلمة واحدة: "بابا؟"
الكلمة دي كانت زي الصاعقة اللي نزلت على قلب آسر. آسر اللي مسمعش كلمة "بابا" من سنتين، آسر اللي قلبه حجر من الوجع. وفجأة، ياسين دخل في نوبة كحة شديدة بدأت تخليه يزرق.
مريم كانت لسه داخلة المخزن، شافت آسر بيه شايل ابنها. الصينية
آسر بصلها بنظرة غريبة، نظرة مفيش فيها غضب، لكن فيها "وجع" قديم انفجر. صاح بصوت هز القصر: "يا مروان! جهز العربية فوراً! اطلب المستشفى يجهزوا غرفة الطوارئ!"
ليلة تغيير القدر
مريم كانت قاعدة في العربية الفخمة جنب آسر، وهي بتترعش وماسكة إيد ياسين. آسر كان باصص من الشباك، بس إيده التانية كانت ضاغطة على طرف البطانية الصفراء بقوة.
في المستشفى، الأطباء اتجمعوا، وآسر كان واقف بيتابع كل كبيرة وصغيرة. لما الدكتور طلع وقاله: "الحمد لله يا آسر بيه، لحقناه، كان عنده التهاب رئوي حاد ولو استنى للصبح مكنش
آسر قرب منها وبص لها ببرود قاسي بس وراه حنية: "أنتي كنتي عارفة إنه عيان؟"
مريم ردت بشهقات: "كنت عارفة.. بس مكنش معايا تمن الدوا، وكنت خايفة أخسر الشغل، والبيت برد يا بيه.. ياسين هو اللي فاضل لي في الدنيا."
آسر سكت ثواني، وبعدين قال جملة غيرت حياة مريم للأبد: "ياسين مش هيرجع الشقة الباردة دي تاني.. والشنطة القماش دي مكانها الزبالة."
السر الذي أخفاه آسر
لما رجعوا القصر بعد يومين، آسر أمر بتجهيز جناح كامل لياسين ومريم. مريم كانت مذهولة: "ليه يا بيه؟ أنا مجرد شغالة."
آسر وقف قدام صورة بنته ومراته المتوفية، وقال بصوت مخنوق: "أنا كمان كنت مخبي سر يا مريم.. أنا كنت ناوي أصفي كل أملاكي وأسيب
بص لياسين اللي كان بيلعب بلعبة جديدة في وسط الصالة وقال: "ياسين هيفضل هنا.. هيتعالج وهيتعلم في أحسن مدارس، وأنتي هتفضلي هنا، بس مش شغالة.. أنتي المسؤولة عن البيت ده وعن روحي اللي رجعت لي بسببه."
مريم مكنتش مصدقة إن "الكرتونة" والبرد والشنطة القماش انتهوا، وإن خوفها على ابنها كان هو "المفتاح" اللي فتح قلب آسر المنشاوي من جديد. القصر اللي كان عبارة عن "قبر" فخم، بقى فيه صوت ضحك وصوت جري طفل صغير.. وعرفت مريم إن ربنا لما بيضيقها،
تمت.