قصة جديدة

لمحة نيوز


وقتها هيندم إنه استهان بست عجوزة ووحيدة.
بس الأسبوع ده، أيمن اتغير، وحسيت بكدة قبل حتى ما تحكيلي. ليلى وصلت متأخرة، مش 8 وربع.. كانت 9 إلا ربع. جت ومن غير كوباية في إيدها، وشفت شفتها مجروحة وورمة، وياسين بيصرخ في حضنها.
عرف، همست وهي بتترعش.
رزعت الباب وقفلته بالترباس عرف إيه؟
ليلى ما لحقتش ترد. من الناحية التانية من الطرقة، صوت خطوات سمعناه.. خطوات بطيئة.. تقيلة.. واثقة.
وبعدين خبط على بابي..
تلات خبطات ناشفين ورا بعض.
النفس انقطع جوه الشقة. ليلى ضمت ياسين لصدرها لدرجة إن الطفل كتم صرخته في لبسها. كان...
وشها كان بيترعش، وعينيها متثبتة على الباب الخشب كأنه حتة كرتون قدام إعصار. الخبطات التلاتة كانوا واضحين، باردين، وفيهم تهديد مكتوم يقطع القلب.
يا ست كريمة؟ صوت أيمن جه من بره، ناعم وهادي بشكل يرعب. أنا آسف على الإزعاج، بس أعتقد إن ليلى مراتي عند حضرتك.. هي نسيت إن عندها مشوار مهم الصبح.
شاورت لليلى بإيدي إنها تدخل أوضة النوم وتقفل الباب من جوه بالمفتاح. مشيت ناحية الباب بخطوات تقيلة، وكنت متعمدة أخبط عصايتي الأبنوس في الأرض عشان يحس بوجودي. فتحت الباب حتة صغيرة، وكنت حاطة الجنزير بتاع الأمان. بصيت من الفتحة؛ كان أيمن واقف بقميصه المكوي بالمسطرة وابتسامته اللي عمرها ما وصلت

لعينيه.
قلت بنبرة هادية خالص أهلاً يا ابني.. ليلى هنا فعلاً، كانت بتجيب سكر، بس فجأة داخت وهبطت، فخليتها ترتاح جوه شوية. ابتسامته بدأت تختفي بالتدريج تعبت؟ طيب خليني أدخل آخدها، أنا هعرف أراعيها. لأ يا حبيبي، هي نايمة دلوقتي. والبيت بيت ست عجوزة، ما يصحش تدخل وهي بالوضع ده. فوت علينا كمان ساعة.
أيمن حط إيده على الباب، وحسيت بقوته وهو بيضغط على الخشب يا ست كريمة، بلاش نلعب مع بعض. ليلى دي بتاعتي.. والولد بتاعي. افتحي الباب أحسن ما أكسره.
ضحكت ضحكة قصيرة خلته يستغرب ويتسمر مكانه تكسر الباب؟ يا أيمن، إنت ناسي إننا في عمارة محترمة، وخبطة واحدة كمان هتجيب الجيران والبوليس في ثواني. وبعدين.. خدت نفس عميق وكملت أنا اتصلت بالنجدة من خمس دقايق أول ما شفت ليلى وشفت وشها المتبهدل.. زمانهم على وصول.
كذبت طبعاً، بس الكذبة كانت لازم عشان أسرق وقت. وش أيمن اتقلب تماماً، الهدوء اللي كان فيه اتحول لوحشية حقيقية، وبدأ يضرب الباب بكتفه بكل غله.
جريت بأقصى سرعة قدرت عليها ناحية المطبخ. ما كنتش بدور على سكينة، كنت بدور على علبة البسكويت الصفيح اللي فوق الثلاجة. خدتها ودخلت أوضة النوم.
ليلى! اسمعيني كويس! زعقت فيها وهي منهارة من العياط. فيه شباك هنا بيطل على منور واسع وفيه سلم حديد بتاع الصيانة.
. انزلي منه فوراً. الشنطة جاهزة، والفلوس والورق كله جوه العلبة.
مش هقدر يا طنط كريمة.. أنا خايفة! لو فضلتي هنا، الموت هو اللي مستنيكي. انزلي! أنا هعرف أعطله.
الباب اللي بره بدأ يتشرخ وصوته بقى يرعب. أيمن كان بيزأر زي الديب الجعان. ليلى أول ما شفت ياسين وهو بيصرخ، استجمعت كل شجاعتها. فتحت لها الشباك، وساعدتها تعدي للسلم الحديد.
اطلعي على محطة القطر فوراً، التذكرة في العلبة.. طيري!
بمجرد ما ليلى اختفت في المنور، باب الشقة اتكسر ووقع بالكامل. دخل أيمن زي العاصفة، كان في إيده مفك طويل، وعينيه كانت بتطلع نار وشرار.
هي فين؟! صرخ وهو بيمسكني من دراعي بقوة كادت تكسره. بصيت له بمنتهى البرود، وتفيت في وشه. هي في مكان عمرك ما هتوصله يا جبان.
دفعني وقعني على الأرض، وجري زي المجنون على أوضة النوم، وشاف الشباك مفتوح. بص لتحت، كانت ليلى وصلت للرصيف وبدأت تجري ناحية التاكسي اللي كنت متفقة معاه مسبقاً إنه يستناها في الوقت ده من كل يوم احتياطاً.
أيمن حاول يلحقها من السلم، لكن في اللحظة دي، صوت سارينة البوليس الحقيقية كان مالي الشارع. أنا فعلاً كنت ضغطت على زرار الاستغاثة الصامت اللي حفيدي ركبهولي تحت التربيزة وواصل بقسم الشرطة.
مرت ست شهور. أيمن اتمسك واتحكم عليه بالسجن بتهمة التعدي والترويع
والشروع في القتل، خاصة بعد ما المحامي عادل ابن أختي، اللي وصيته يمسك قضيتها، قدم كل التسجيلات اللي ليلى سجلتها له بالموبايل القديم اللي عطيتهولها.
أنا قاعدة في مطبخي دلوقتي، بشرب قهوتي الصبح.. الساعة 8 وربع. سمعت خبط على الباب. قلبي دق.. هل ممكن يكون رجع؟ فتحت الباب.
كانت ليلى. بس مش ليلى الباهتة الخايفة.. كانت لابسة فستان ملون، ووشها فيه نضارة وردت فيه الروح. وياسين كبر وبقى بيمشي، وجري عليا حضن رجلي.
يا طنط كريمة.. أنا جيت أرد لك السكر.
مدت لي كوباية مليانة سكر، بس المرة دي كان محطوط فوقها وردة صغيرة.
أنا اشتغلت في إسكندرية يا طنط.. وبقيت مستقلة وبصرف على نفسي. وجيت عشان أشكرك.. أنتي ما أنقذتيش حياتي بس، أنتي علمتيني إن القوة مش في العضلات، القوة في القلب اللي بيقرر إنه مش هيخاف تاني.
بكيت، ولأول مرة من سنين، ما كنتش ست عجوزة ووحيدة. كنت أم وجدة لروحين رجعوا للدنيا بسببي.
اتعلمت إن العمر مجرد رقم، وإن شوية سكر ممكن يكونوا سبب في تغيير قدر إنسان. وإن الست العجوزة اللي الكل بيستهين بيها، هي اللي بتقدر تكسر الوحوش بذكائها وحكمتها.
ليلى فضلت معايا أسبوع قبل ما تسافر تاني، والمطبخ بتاعي فضلت ريحته سكر وورد ليالي طويلة. لأن الجيرة مش بس حيطان، الجيرة قلوب بتطبطب على بعض في عز الوجع.

بقلم نرمين عادل همام
تمت

 

تم نسخ الرابط