رضاعة ابني حكايات زهرة

لمحة نيوز

كريم.. تعبانة وهتفضح والناس هتقول عليا مجنونة!.
في اللحظة دي، الغموض كله اتمسح من قدام عيني.. وعرفت إننا مش قدام مرض عضوي ولا نفسي، إحنا قدام حاجة تانية خالص.. عمل أو مس أو سحر. افتكرت على طول خناقة أمي وحماتي في المستشفى، وافتكرت إن أمي من زمان بتؤمن بالحاجات دي، وحماتي كمان كانت دايماً تروح لدجالين ومشايخ بحجة فك العمل والرقية.
قولت لنفسي مش يمكن حد فيهم هو اللي عمل كدة؟ مش يمكن الغل والحقد اللي بينهم وصل لدرجة إنهم يدمروا بيتي ويسلطوا على مراتي وابني الأذى ده؟.
تاني يوم الصبح، مكنش ينفع أسكت. رنا كانت دبلانة والواد عياطه مبيسكتش من الجوع والصفرا بتزيد. أخدت إجازة من الشغل، وكلمت صاحبي مصطفى، وهو شاب متدين جداً وبيفهم في أمور الرقية الشرعية والقرآن. حكيتله كل حاجة في التليفون من طقاطق للسلام عليكم. مصطفى سكت شوية وقالي بصوت قلقان يا كريم، اللي أنت بتحكيه ده مش مس عادي
اللي أنت بتحكيه ده مش مس عادي.. ده إما سحر أسود مرشوش أو مدفون، أو رصد متسلط عليها عشان يدمر حياتها ويموت ابنها.. أنا جيلك حالاً ومعايا شيخ ثقة بيعالج بالقرآن بس، ملوش في الدجل والكلام الفاضي.
ساعتين وكان مصطفى ومعاه الشيخ عبد الرحمن، راجل وقور، وشه منور بالصلاة والتقوى، ولحيته بيضا خفيفة. أول ما الشيخ دخل الشقة، وقف في الصالة وبص حواليه، ولقيته غمض عينيه وفضل يستغفر ويبسمل.
دخلنا غرفه النوم، رنا كانت قاعدة وضامة يوسف وبتترعش. أول ما شافت الشيخ عبد الرحمن، وشها اتقلب فجأة! ملامحها الرقيقة اختفت، وظهرت عليها علامات الغضب والغل، وصوتها اتغير تماماً وبقى غليظ وحاد وقالت مش هتلحقوها.. دي بتاعتي، والواد ده هيموت.. هيموت!.
أنا ركبي سابت، ومصطفى مسكني. الشيخ عبد الرحمن محتزش ولا خاف، بالعكس.. قعد على كرسي قبال رنا، وطلع مصحف صغير من جيبه، وقال بصوت قوي ومزلزل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. بسم الله الرحمن الرحيم. وبدأ يقرأ آيات أبطال السحر، وسورة البقرة، وآية الكرسي ويفضل يكررها وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ.
مع كل آية كان الشيخ بيقرأها، رنا كانت بتصرخ صراخ يقطع القلب.. صراخ مكنش طالع
من حنجرة ست أبدًا! كانت بتتلوى على السرير وجسمها يتشنج، وعينيها تبرق وتطلع لفوق والشهقة المرعبة دي بدأت تتكرر ورا بعض كأنها بتموت!
الشيخ عبد الرحمن كان صوته بيعلى بالقرآن أكتر وأكتر، ويزعق ويسأل من أنت؟ وما الذي أتى بك إلى هنا؟!.
صوت غريب وطالع من جوة رنا رد وهو بيضحك بامتزاج مع بكاء وغل أنا الخادم.. أنا الرصد.. معمول ليها عمل بالمرض والموت من أقرب الناس ليها.. مدفون في مكان مش هتوصلوله! هتموت.. هتموت وهي بترضعه، لازم تموت!.
الشيخ عبد الرحمن زعق فيه وقرأ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ ۖ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ، وفضل يكرر إن الله سيبطله.. إن الله سيبطله ويجيب مية ويقرأ عليها ويرش على وش رنا.
فجأة، رنا اتنفضت نفضة جامدة جداً، وخرجت منها شهقة عالية وطويلة سدت ودانا كلنا، وبعدها وقعت على السرير جثة خامدة، مغمى عليها تماماً.. بس المرة دي، وشها كان هادي، ومكنش متشنج.
الشيخ عبد الرحمن مسح عرق جبينه وبصلي وقال بنبرة حزينة يا بني، مراتك معمول لها سحر أسود وسفلي شديد جداً.. السحر ده معمول بغرض المرض، وإنها متفرحش بضناها، ويموت ابنها من الجوع أو تموت هي وهي بترضعه. السحر ده معمول على أثر من لبسها، ومدفون أو محطوط في مكان قريب منها جداً.. من ريحة كلام الجني، السحر ده حد من أهلها أو أهلك هو اللي عمله!.
الدنيا اسودت في عيني.. أمي؟ ولا حماتي؟!. افتكرت الخناقة والردح والغل اللي شوفته في عيونهم يوم الولادة. مشيت في الشقة زي المجنون.. السحر فين يا شيخنا؟ أدور فين؟.
الشيخ قال دور في الحاجات اللي جاتلك هدايا بعد الولادة، أو في لبسها القديم، أو في عتبة البيت.. افتح كل حاجة وجدد نيتك بالله.
فضلت أنا ومصطفى نقلب الشقة حتة حتة.. فتشنا الدولاب، المطبخ، المراتب، السجاد.. ملقيناش حاجة. لحد ما مصطفى قالي كريم.. في شنطة هدايا كبيرة اهي في الصالة، بتاعة السبوع والزيارات اللي جاتلكوا، فتشتها؟.
قولتله لأ.. دي هدايا من أمي وحماتي وقرايبنا لسه مفتحنهاش من يوم ما رجعنا.
جريت على الشنطة وفتحتها.. كان فيها طقم سرير، وهدوم للبيبي، وعلبة حلاوة مغلفة.
بدأت أطلع الحاجات.. لحد ما مسكت علبة الحلاوة الكبيرة. العلبة كانت مقفولة بلصق شفاف، بس لما هزيتها، حسيت إن في حاجة تقيلة جوة بتتحرك مش حركة حلاوة.
فتحت اللصق بسرعة وفتحت العلبة.. وشوفت الكارثة!
تحت قالب الحلاوة، كان في كيس أسود صغير ملفوف بلصق كتير. قطعت اللصق بإيدي وبقيت بترعش.. وطلعت اللي جوة الكيس.
كانت عروسة قماش صغيرة بيضا، ملفوف عليها قفل حديد ومقفول بمفتاح، ومغروس في صدر العروسة وفي بطنها دبابيس كتير جداً! ومكتوب على القماش بدم لونه أسود وريحتة معفنة رنا بنت فاطمة.. تُمنع من المرضعة، وتشهق للموت، ويهلك ولدها يوسف بن كريم.
أنا لما قريت الاسم.. صرخت صرخة هزت الشقة. العلبة دي بالذات.. أنا فاكر كويس مين اللي جابها! دي العلبة اللي حماتي دخلت بيها الشقة أول يوم، وقالت لمراتي
خدي يا رنا يا بنتي، دي حلاوة عشان تغذي صدرك وتجيب لبن للواد!.
حماتي! أم مراتي! هي اللي عملت في بنتها وفي حفبيدها كدة؟ عشان إيه؟ عشان الغل؟ عشان تنتقم من أمي وتحرق قلبي وقلب بنتها؟ ولا عشان تكره بنتها في الجواز والخلفة وترجع وتعيش معاها؟ دماغي كانت هتنفجر من البشاعة.. الأم تعمل في بنتها وضناها كدة؟!
الشيخ عبد الرحمن أول ما شاف العروسة والقفل، قال الله أكبر.. ظهر الحق وزهق الباطل. جيبلي إناء فيه مية وملح ورش عليه رقبة العروسة والقفل.
الشيخ بدأ يقرأ المعوذتين وآيات فك السحر، وبدأ يفك الدبابيس دبوس دبوس وهو بيسمي الله، وكل ما يشيل دبوس، كنا بنسمع صوت تكة غريبة في الأوضة كأن في قيود بتتفك. ولما جاب المفتاح وفتح القفل الحديدي ورماه في المية بملح.. سمعنا صوت صرخة بعيدة جاية من برة الشقة، صرخة خفتت لحد ما تلاشت تماماً.
في نفس اللحظة.. رنا فتحت عينيها في الأوضة!
بس المرة دي، عينيها كانت طبيعية تماماً.. رقيقة، هادية، مليانة دموع حقيقية مش دموع رعب. بصت حواليها وقالت بصوت ضعيف بس صافي كريم.. أنا جعانة.. ويوسف فين؟ يوسف بيعيط؟.
جريت عليها وأنا بدمع، أخدتها وفضلت أعيط زي العيل الصغير.. أنتي كويسة يا رنا؟ حاسة بإيه؟.
قالت لي وهي بتبتسم وبتتنفس براحة أول مرة أشوفها من شهور أنا حاسة إن في جبل انزاح من على صدري يا
كريم.. حاسة إني خفيفة، والضلمة اللي كانت في عيني راحت.. هجيب يوسف أرضعه؟.
الشيخ عبد الرحمن ابتسم وقالي توكل على الله يا بني.. السحر اتفك، واللعنة انتهت، وربنا يحفظكم.
رنا أخدت يوسف .. البيبي كان دبلان والصفرا مأثرة عليه. قعدت على السرير، وحطت بؤه الصغير على صدرها.. أنا كنت واقف وحاطط إيدي على قلبي، ومصطفى والشيخ واقفين بيدعوا.
الواد بدأ يرتضع.. وبدأت رنا تتنفس.. ثانية.. دقيقتين.. خمس دقايق.. والواد بيرضع بنهم، ورنا بتبص له بحنان والابتسامة على وشها، وعينيها منورة.. ومفيش تشنج.. ومفيش شهقة.. ومفيش غياب عن الوعي!
رنا رضعته لحد ما الواد شبع ونام، ووشه بدأ يورد، وهي كمان وشها رجعت له الروح وبقت زي الوردة.
بعد ما الشيخ عبد الرحمن ومصطفى مشيوا، وأنا شكرتهم ودعيت لهم من كل قلبي، قعدت جمب مراتي. مكنتش قادر أقولها إن أمها هي اللي عملت كدة.. مكنتش عايز أكسر قلبها أكتر ما هو مكسور. قولت لها إننا لقينا عمل معمول من حد حاقد ومجهول وفكيناه والحمد لله.
بس أنا مكنش ينفع أسكت.. نزلت وروحت لبيت حماتي. أول ما فتحت الباب وشافتني، وشها اتقلب واصفر، ولقيتها بتبص ورايا بخوف كأنها مستنية تشوف بنتها ميتة أو متبهدلة.
وقفت قدامها وبصيت لها بكل قرف واشمئزاز، وطلعت الكيس اللي فيه العروسة المتدمرة والقفل المفتوح ورميته تحت رجليها!
قولتلها بصوت فحيح زي الأفعى السحر اتمسح واتفك يا حماتي.. وبنتك خفت ورضعت ابنها، والرصد اللي كنتي مسلطاه عليها اتقلب عليكي.. وأنا مش هبلغ عنك الشرطة عشان خاطر بنتك وعشان مشوفش دموعها.. بس رجلك مش هتعتب بيتي تاني، وبنتك هتعرف حقيقتك في الوقت المناسب.. حسبي الله ونعم الوكيل فيكي، يا شيخة ده الشيطان يتعلم منك!.
سبتها واقفة بتترعش وتصرخ من الخوف والفضائح، ومشيت وسيبتها لربنا ينتقم منها.
الحمد لله.. الشهور مرت، ويوسف كبر وبقى زي الفل، والصفرا راحت تماماً.. ورنا بقت أم عظيمة، حنينة، وضحكتها مابتفارقش البيت. الشهقة المرعبة دي مبقتش اسمعها.. بقيت بسمع مكانها ضحكة ابني وصوت مراتي وهي بتغني له عشان ينام. عرفت إن الرزق مش بس فلوس، الرزق هو السكينة والأمان، وإن ربنا دايماً أقوى من أي سحر
ومن أي شر.. والحمد لله رب العالمين.

تم نسخ الرابط