قصة جديدة

لمحة نيوز

جوزي سابني أنا والتوأم اللي لسه مولودين عشان أمه الغنية أمرته بكده. اختار فلوس أمه ومستقبله على مراته الحامل، ومشى من غير حتى ما يبص وراه مرة واحدة.

وأنا بتألم لوحدي في الولادة أكتر من 26 ساعة، كان بيتجاهل كل مكالماتي ورسائلي. ولما ولادي كانوا بين الحياة والموت في الحضّانة، بعتلي رسالة قصيرة قال فيها:

"أنا مش هقدر أكمل."

سابنا بأوامر أمه، خد فلوسها، وكان فاكر إني هختفي من حياته للأبد.

بس اللي ماكانش يعرفه... إني هقوم من وسط الخراب، وأبني إمبراطورية بإيديا، وأربي الولاد اللي هو رماهم بكل سهولة.

وفي ليلة من الليالي، وهو قاعد قدام التلفزيون، اتصدم لما شاف الحياة اللي باعها بفلوس أمه... واقفة قوية وناجحة من غيره.

في قرارات الواحد بيفتكر إنها بتنتهي بمجرد ما ياخدها... لكن الحقيقة إنها بتفضل تكبر وتتضاعف مع الوقت.

وفي الآخر... الحساب دايمًا بييجي.

كان يوم تلات بالليل، والجو في المطبخ تقيل بشكل غريب، كأن في عاصفة مستنية تنفجر في أي لحظة.

كريم كان قاعد قدامي، وشه أصفر وعينيه مثبتة في ترابيزة السفرة، مش قادر يبص في عيني.

ريحة الويسكي كانت مالية المكان، بس كان في حاجة أبشع منها... ريحة الجبن.

قال بصوت واطي:

"أمي شايفة

إن اللي إحنا بنعمله ده غلطة."

ضحكت ضحكة موجوعة وأنا ببصله بعدم تصديق.

"غلطة؟ يا كريم، أنا في الشهر السابع. دول مش مشروع بنفكر فيه... دول ولادنا."

رفع عينيه أخيرًا.

لكن الراجل اللي حبيته ماكنش موجود.

مكانه كان فيه طفل مرعوب، مستني أمه تقوله يعيش إزاي.

بلع ريقه وقال:

"هي بتقول إني بضيع مستقبلي... بتقول لو اتربطت دلوقتي بيكي وبالمسؤولية دي هخسر كل حاجة. هخسر الشركة، وهخسر الميراث، وهخسر مستقبلي كله."

اتجمدت مكاني.

"المسؤولية دي؟! هو ده الاسم اللي أطلقتُه على أحفادها؟"

وطيت راسي وأنا مستنية منه أي رد.

لكن الصمت كان سيد الموقف.

أم كريم، الست نادية، كانت خيرته بيني وبين ولاده... أو بين ملايين الجنيهات والعقارات والشركة اللي مستنياه.

وبالنسبالها أنا وولادي ماكناش بني آدمين.

كنا مجرد مشكلة لازم تتشال من الطريق.

كنت مستنية كريم يقف قدامها.

كنت مستنية يدافع عن بيته ومراته وولاده.

كنت مستنية يختار دمه ولحمه بدل الفلوس.

لكنه ماعملش أي حاجة.

وسكوته كان أقسى رد سمعته في حياتي.

بعد أسبوعين، جالي الطلق.

والولادة أصعب بكتير لما تكوني لوحدك.

26 ساعة كاملة من الألم والخوف والوجع.

لحد ما جه آدم للدنيا وهو بيصرخ بأعلى

صوته.

وبعده بدقائق جه ياسين... أصغر وأضعف.

ولأنهم اتولدوا بدري، جريوا بيهم على حضّانة الأطفال المركزة.

أما أنا...

فكنت مرمية على سرير المستشفى، جسمي مكسور وقلبي فاضي.

اتصلت بكريم.

مفيش رد.

بعتله رسالة:

"الولاد جم... بالله عليك تعالى. أنا خايفة."

ولا حتى كلمة.

ولا حتى سؤال.

ولا حتى "مبروك".

تاني يوم الصبح، موبايلي رن.

قلبي دق بسرعة.

أخيرًا رد.

يمكن ندم.

يمكن جاي.

يمكن افتكر إنه أب.

فتحت الرسالة وإيديا بتترعش.

لكن الكلمات اللي شفتها كسرت آخر حاجة جوايا:

"أنا آسف... مش هقدر أكمل. أمي خلتني أختار. لازم أفكر في مستقبلي. ياريت ما تحاوليش تتواصلي معايا تاني."

في اللحظة دي...

وأنا على سرير المستشفى، وسط ريحة المطهرات والدم والألم...

حسيت إن عالمي كله اتهد فوق دماغي.

لكن بعد ثواني...

دموعي وقفت.

الخوف اختفى.

وفي مكانه اتولد إحساس تاني.

غضب.

غضب حارق لأول مرة أحسه بالشكل ده.

بصيت للرسالة مرة أخيرة...

ومسحت دموعي.

لأن اللي كريم كان فاكره نهاية قصتي...

 

كان في الحقيقة أول فصل في حرب عمره ما كان مستعد لها.

بصيت للرسالة للمرة الأخيرة...
"ياريت ما تحاوليش تتواصلي معايا تاني."
وبعدين قفلت الموبايل.


مش علشان سامحته...
لكن علشان فهمت إن في ناس لما بتختار تمشي، مافيش كلام في الدنيا كلها يقدر يرجعها.
الأيام الأولى كانت جحيم.
آدم وياسين في الحضّانة.
وأنا بين سرير المستشفى والكراسي البلاستيك اللي قدام العناية المركزة.
كل شوية دكتور يطلع.
كل شوية قلبي يقع.
كل شوية أسمع كلمة جديدة تخوفني أكتر.
"محتاجين متابعة."
"لسه حالتهم غير مستقرة."
"الساعات الجاية مهمة."
وفي وسط كل ده...
ماكنش معايا غير شنطة هدوم صغيرة.
وشوية فلوس بالكاد يكفوا أسبوع.
ومفيش زوج.
ومفيش أهل أغنياء.
ومفيش حد شايفني غير ربنا.
بعد شهر كامل...
خرجت من المستشفى وأنا شايلة طفلين.
وورايا فاتورة علاج ضخمة.
وقدامي مستقبل مجهول.
رجعت لشقتنا.
الشقة اللي كنت فاكرة إنها بيت.
لكن أول ما فتحت الباب...
لقيت نص العفش اختفى.
النجفة.
التلفزيون.
السفرة.
حتى بعض الأجهزة.
كل حاجة تخص كريم تقريبًا كانت اتشالت.
وفوق الترابيزة ظرف أبيض.
فتحت الظرف.
كان فيه ورقة مكتوب فيها:
"تم نقل ملكية الشقة لصالح شركة العائلة."
وقتها فهمت.
حتى السقف اللي فوق دماغ ولاده...
قرروا ياخدوه.
قعدت على الأرض.
آدم نايم على كتفي.
وياسين في حضني.
وماكنتش قادرة أبكي.
في مرحلة معينة من الوجع...
الدموع بتخلص.

وبيفضل الصمت.
بعد أسبوعين...
كنت واقفة في مكتب صغير للإيجار.
شقة أوضة وصالة.
في عمارة قديمة.
الدور الخامس.
من غير أسانسير.
والراجل صاحب المكتب قال:
"متأكدة يا بنتي؟ المكان متواضع."
ابتسمت.

تم نسخ الرابط