قصة جديدة
وقلت:
"المهم يبقى بيت."
ابتدت رحلة عمرها ما كانت سهلة.
الصبح أشتغل أونلاين.
بالليل أذاكر.
بين ده وده أغير حفاضات.
وأحضّر رضاعة.
وأجري على الدكتور.
وأرجع أكمل شغل.
كنت بنام ساعتين أو تلاتة بالكتير.
وفي أوقات كتير...
ماكنتش بنام أصلًا.
عدى سنة.
بعدين اتنين.
بعدين تلاتة.
وكل سنة كانت أصعب من اللي قبلها.
بس كان في حاجة بتكبر جوايا.
حاجة أقوى من التعب.
أقوى من الخوف.
الإصرار.
في الوقت اللي كريم كان عايش فيه جوه شركة أمه...
أنا كنت ببني شركتي الصغيرة.
في الأول كان مجرد مشروع متواضع.
بعدين بقى مكتب.
وبعدين فريق.
وبعدين شركة حقيقية.
وبعدين اسم معروف.
وفي يوم من الأيام...
لقيت نفسي واقفة على مسرح كبير.
قدامي مئات الأشخاص.
وبيتسلملي جائزة أفضل رائدة أعمال شابة.
النور كان مالي المكان.
والتصفيق عالي.
لكن أكتر حاجة شدت انتباهي...
كانت صورة آدم وياسين
كانوا وقتها عندهم سبع سنين.
وبيضحكوا.
فابتسمت.
لأن الجائزة الحقيقية عمرها ما كانت التمثال اللي في إيدي.
الجائزة الحقيقية كانت هما.
أما كريم...
فالأمور ما مشيتش زي ما كان متخيل.
لأن الناس اللي بتبيع ضميرها علشان الفلوس...
بتكتشف أحيانًا إن الفلوس نفسها مش مضمونة.
بعد وفاة أمه بسنتين...
دخل شركتهم في أزمات كبيرة.
وشركاء كتير انسحبوا.
ومشاريع فشلت.
وخسر جزء ضخم من ثروته.
وفي ليلة شتوية...
كان قاعد لوحده في شقته.
بيتفرج على برنامج اقتصادي مشهور.
وفجأة...
المذيع قال:
"ضيفتنا النهارده واحدة من أنجح سيدات الأعمال في البلد..."
وظهر اسمي على الشاشة.
اتجمد مكانه.
وأنا داخلة الاستوديو بثبات.
وورايا شاشة ضخمة عليها شعار شركتي.
الشركة اللي بدأت من شقة أوضة وصالة.
ومن أم بتربي طفلين لوحدها.
المذيع سألني:
"إيه السر الحقيقي وراء النجاح
سكت ثواني.
وبعدين قلت:
"في ناس بتديك فرصة.
وفي ناس بتقفل كل الأبواب في وشك.
بس أحيانًا الشخص اللي بيقفل الباب... بيكون هو نفسه السبب إنك تكتشف قوتك."
كريم فضل باصص للشاشة.
وعينيه مليانة ذهول.
لأول مرة يشوف حجم الحاجة اللي خسرها.
بعد الحلقة بأيام...
وصلتني رسالة.
رقم مجهول.
لكن أول ما قريت أول سطر...
عرفت صاحبه.
"أنا كريم."
كملت القراءة.
"عارف إن يمكن ما استحقش حتى إنك تقري كلامي..."
"بس أنا غلطت."
"غلطت في حقك."
"وغلطت في حق ولادي."
"وأتمنى فرصة أشوفهم."
فضلت أبص للرسالة دقيقة كاملة.
دقيقتين.
تلاتة.
وبعدين بصيت لآدم وياسين.
كانوا بيلعبوا في الجنينة.
بيضحكوا.
وسعداء.
ومطمئنين.
ساعتها فقط...
فهمت معنى القوة الحقيقي.
القوة مش إنك تنتقم.
ولا إنك تكسر اللي كسرك.
القوة إنك تبقى قادر تكمل.
وتنجح.
وتعيش.
من غير ما تحتاج تثبت أي حاجة لحد.
رديت عليه أخيرًا.
"الولاد من حقهم يعرفوا أبوهم."
"لكن الثقة اللي اتكسرت زمان... عمرها ما بترجع زي الأول."
بعد أسابيع...
شافهم لأول مرة من سنين.
آدم كان متحفظ.
وياسين كان ساكت.
أما كريم...
فكان بيبصلهم وكأنه بيشوف عمره الضايع كله قدامه.
ولما مشي يومها...
وقف عند الباب.
وقال بصوت مكسور:
"سامحيني."
بصيتله بهدوء.
وقلت:
"أنا سامحت علشان أرتاح... مش علشان أنسى."
ونزل رأسه.
ومشى.
قفلت الباب.
ورجعت لأولادي.
ضحكنا.
واتعشينا سوا.
واتفرجنا على فيلم.
وكان يوم عادي جدًا.
لكن بالنسبة ليا...
كان نهاية حرب استمرت سنين.
لأن في الآخر...
الانتصار الحقيقي ماكانش الشركة.
ولا الشهرة.
ولا الفلوس.
الانتصار الحقيقي...
إن الست اللي اتسابِت في المستشفى لوحدها وهي مكسورة...
بقت أم قوية.
وبنت مستقبلها بإيديها.
وربت طفلين محترمين.
وأثبتت إن اللي بيتباع بالفلوس...
مش دايمًا هو الأغلى.
وإن بعض الخسارات بتبان مكسب في وقتها...
لكن حسابها بييجي متأخر جدًا.
ودايماً...
بيكون أغلى بكتير مما نتخيل.