قصة جديدة
حماتي وقفت قدامي وهي ماسكة مكواة مولعة ولسه طالعة منها سخونية نار، وقربتها من بطني وأنا حامل في الشهر التامن. بصتلي بابتسامة كلها شماتة وقالت:
"إمضي على ورق حضانة الطفل... وإلا إنتي واللي في بطنك هتتحرقوا."
وفي نفس اللحظة رمت على ترابيزة المطبخ ورقة بتقول إن جوزي الرائد أحمد استشهد وهو في مهمة بره البلد.
كنت قاعدة على الكرسي جسمي كله بيترعش، ودموعي مغرقة عيني من الرعب. حسيت إن الدنيا بتلف بيا، لحد ما فجأة...
باب الجنينة اتفتح بعنف هز البيت كله.
لفينا نبص.
وكان واقف عند الباب أحمد.
أيوه... أحمد بنفسه.
لابس هدومه العسكرية ومتغطي بطبقة تراب من السفر، لكن واقف قدامنا حيّ يرزق.
جوزي اللي قالولي إنه مات.
جوزي اللي عشت شهور ببكي عليه.
الغريب إنه ما صرخش.
ما اندفعش.
ما فقدش أعصابه.
بكل هدوء طلع موبايله، وبص لأمه مباشرة في عينيها وقال:
"ألو... الشرطة؟ ابعتوا قوة فورًا على عنواني. عندي بلاغ شروع في قتل."
والمكواة لسه سخنة.
خيط رفيع من الدخان كان طالع منها، وصوتها
على الأرض كانت فيه وردات فل بيضا متبعثرة. أكيد أحمد جابها وهو راجع يفاجئني. بعض الورود كانت مداس عليها كأن حد كان مشغول بترتيب مسرحية كاملة ومش فارق معاه أي حاجة تانية.
كنت قاعدة مكاني، حاطة إيديا الاتنين على بطني بحماية وخوف.
وأحمد واقف بيني وبين أمه.
هادئ بشكل مخيف.
من غير صوت عالي.
من غير عصبية.
عينه اتحركت ببطء من ناحية المكواة... وبعدين ناحية رزمة أوراق مترتبة فوق الترابيزة.
خطابات عمري ما شفتها.
مواعيد كشف الحمل متلغية من غير ما أعرف.
ومذكرات مكتوبة بخط اليد خلت الدم يتجمد في عروقي:
"سارة بتعاني من اضطرابات نفسية."
"أوهام الشك عندها بتزيد."
"غير مؤهلة لرعاية طفل حديث الولادة."
قبضت على بطني بقوة.
حسيت إن حد سرق آخر تمن شهور من حياتي وكتبهم من جديد بطريقة عمري ما عشتها.
بعدها أحمد وصل لآخر ورقة.
وسكت.
تحت كل الأوراق كان فيه مستند متكرمش.
إخطار عسكري مزور.
ورقة بتقول إنه اتصاب إصابة خطيرة وممنوع
نفس الورقة اللي حطمتني شهور طويلة.
قرأها مرة.
وبعدين قرأها تاني.
والسكوت في المطبخ بقى تقيل بشكل مرعب.
أخيرًا نزل الورقة وقال بصوت هادي:
"الورقة دي مزورة."
صوته كان منخفض...
لكن كلماته جمدت المكان كله.
حماتي هزت راسها بسرعة وقالت:
"يا حبيبي يا أحمد، إنت متوتر. سارة تعبانة نفسيًا بقالها فترة وبتفهم الأمور غلط..."
لكن أحمد قاطعها فورًا:
"يا أمي."
قالها بهدوء غريب.
"أنا عارف شكل الإخطارات العسكرية الرسمية كويس جدًا. الورقة دي غلط. التنسيق غلط. الصيغة غلط. حتى نوع الخط غلط."
وساعتها...
المكان كله سكت.
لأول مرة من يوم ما عرفتها...
شوفت الخوف الحقيقي في عيون حماتي.
وفجأة سمعنا صوت عربيات الشرطة برا.
السرينات قربت.
والأنوار الزرقا والحمرا انعكست على حيطان البيت.
الجيران بدأوا يخرجوا من بيوتهم يشوفوا إيه اللي بيحصل.
لكن أكتر حاجة خوفتني كانت رد فعل حماتي.
بصت من الشباك.
ولثواني قليلة ظهر الرعب على وشها.
ثم...
اختفى.
وكأن حد ضغط زرار.
وفجأة نزلت دموعها.
دموع مثالية.
في التوقيت المثالي.
وجريت ناحية الباب وهي بتعيط بصوت عالي وتصرخ:
"ابني! ابني رجع! الحمد لله إنك بخير!"
لكن اللي حصل بعد كده...
كان صادم لدرجة إن محدش في البيت كله كان ممكن يتوقعه...
كانت حماتي واقفة عند الباب بتعيط وتصرخ وكأنها الضحية، بينما أفراد الشرطة دخلوا البيت بسرعة بعد بلاغ أحمد.
أول ضابط دخل بص حواليه، وشاف المكواة السخنة، والأوراق المبعثرة، وحالتي وأنا مرعوبة ومش قادرة حتى أقف على رجلي.
أحمد مد إيده وسلّم الضابط الملف كامل.
وقال بهدوء:
"كل الأدلة موجودة هنا."
حماتي مسحت دموعها بسرعة وقالت:
"يا حضرة الظابط، ابني فاهم غلط. أنا كنت بحاول أحمي حفيدي. مراته تعبانة نفسيًا من وقت ما سمعنا خبر وفاته."
لكن الضابط ما ردش.
بدأ يقلب في الأوراق واحدة واحدة.
وفجأة رفع حاجبه.
"مين اللي كتب التقارير دي؟"
سكتت.
"ومين اللي لغى مواعيد المتابعة الطبية؟"
سكتت أكتر.
أما أحمد فكان واقف ساكت.
الهدوء اللي عليه كان مرعب أكتر من أي غضب.
بعد دقائق،
وقال:
"يا فندم، راجعنا رقم الخطاب العسكري."
الكل بص له.
"مفيش أي خطاب صادر بالرقم ده."
قلبي دق بعنف.
أما حماتي فاتغير لون وشها.