قصة جديدة
بنتي غادة ادت جزمتها الجديده اللي بورقتها لبنت صغيرة حافية كانت واقفة برة كارفور.. تاني يوم الصبح، صحينا لقينا 68 كرتونة جزم سودا مرصوصة في جنينة بيتنا زي العسكر، ولما فتحت أقرب واحدة منهم.. صرخت بأعلى صوتي!
بنتي غادة كان بقالها 6 شهور نفسها في الكوتشي ده.
كوتشي أبيض وفيه خطوط بمبي.. كان سعره غالي ومستفز الصراحة على عيلة عندها 10 سنين ولسه بتهري الجزم وهي ماشية وتجرجر رجلها في الأرض.
قلتلها لأ مرتين تلاتة.
راحت محوشة عديتها بتاعة العيد، وبقت تساعد طنط أم محمد جارتنا في تنضيف البلكونات وترتيب الشقة، ومابقتش تشتري حاجة من كانتين المدرسة ولا تطلب مصروف، وفضلت صامدة لحد ما جمعت القرش على القرش.
الصبحية، يوم ما كملت الفلوس، قعدت على طرابيزة المطبخ والضحكة من الودن للودن.
820 جنيه و نص يا ماما! قالتها بفخر وهي بتفرز الفلوس، عملتها خلاص!
جدعة يا قلب ماما، عملتيها فعلاً.
فاكرة إني بصيت لها وكنت هعيط من الفرحة. أي عيل في سنها كان هيزهق بعد أسبوعين تلاتة. بس غادة لأ، دماغها ناشفة.
لما طنط أم محمد ادتها 50 جنيه زيادة وقالتلها إنتي أشطر بنت ساعدتني في حياتي، غادة دي كانت حاسة إنها طايرة في الشقة من الفرحة ومابتلمسش الأرض.
كان وراها هدف واحد.
كوتشي أبيض بخطوط بمبي.
ده كل اللي كانت دنيتها واقفة عليه.
اللا مكانتش أعرفه بقى.. إن الجزمة دي هتكون السبب في كشف سر بقاله سنين، وهتخرب برستيج ناس وتفضحهم، وهتخلي 68 كرتونة سودا يملوا الجنينة والمشاية
بس أنا سبقت الأحداث..
المشاكل في الحقيقة بدأت من عند دينا أخت جوزي عمتها.
لو قابلت في حياتك حد من الناس اللي شايفين إن الطيبة دي هبل وخيابة، هتعرف دينا على طول وتفهم طبعها.
في نفس اليوم الصبح، وهي غادة بتعد الفلوس، دينا كلمتني في التليفون
الغدا عندنا يوم الأحد، الساعة 7 بالدقيقة، والنبي بلاش البنطلون الجينز المشرشب اللي البنت بتلبسه ده.
قلت لها بتلبس اللي على مقاسها يا دينا، ماله الجينز؟
راحت رامية الكلمة اللي بتسمم بدني بيها كل مرة
وبطلي تخليها تفرق مصروفها على كل قطة عميا ولا كل شحات في الشارع.. إنتي بتربي بت خيبة ملهاش كلمة!
كان المفروض أقفل السكة في وشها ساعتها.
بس ردت عليها بنفس الكلمة المعتادة البنت قلبها أبيض ونظيف.
قالت لي افتكر كلامي كويس.. الطيبة الماسة دي هتزعلها بعدين.
وقتها قلت دي خطبة من خطب دينا المعتادة وخلاص.. مكانش يخطر على بالي إن الكلام ده هيرجع يطاردنا بعد أقل من 24 ساعة!
بعدها بكام ساعة، أخدت غادة ورحنا كارفور المعادي.
كانت بتتنطط في الماركيت من الفرحة. دخلنا جوه، وطلعت جري على ممر الأحذية اللي حفظت مكانه من شهور.
أول ما شافته، همست وهي عنيها بتلمع هو ده يا ماما!
الكاشير كان بيتبسم وهو شايف غادة بتعد الفلوس بدقة، ورق خمسينات وعشرات متطبقين
بسم الله ما شاء الله، بنتك دماغها ناشفة وليها مستقبل!
قلت له إنت مش عارف تعبت فيهم إزاي.
بنتي خدت الكرتونة وحضنتها في صدرها كأنها شايلة صندوق مجوهرات.
خرجنا بره الماركيت.. وهنا كل حاجة اتغيرت.
جنب المكان اللي بيرصوا فيه عربيات التسوق، كانت واقفة بنت صغيرة، يجي عندها 8 أو 9 سنين.
كانت لابسة فستان أصفر باهت ومغسول مية مرة، وأمها واقفة جنبها وشكلها تعبان وشيلها طين الدنيا.
بس اللي خطف عين غادة مكانش لبسهم المبهدل.. كانت رجلين البنت!
كانت حافية.. حافية خالص.
واقفة برجلها على الأسفلت في عز الظهر، والشمس حامية بتغلي!
غادة اتسمرت في مكانها.
ماما.. بصي على رجلها.
شايفة يا حبيبتي، ربنا يتولاهم.
الأسفلت سخن أوي يا ماما، هيدوب رجلها.
وفجأة، ومن غير ما أفهم، بنتي راحت قعدت على الرصيف وفتحت كرتونة جزمتها الجديدة!
قلبي هبط في رجلي ساعتها غادة! يا حبيبتي دي جزمتك.. إنتي تعبتي وشقيتي فيها 6 شهور!
بصت لي بنظرة كلها ثقة ويقين.. النظرة الصافية اللي مفيش حد بيعرف يبصها غير الأطفال
أنا عندي جزم تانية في البيت يا ماما.. هي معندهاش خالص.
وقبل ما ألحق أمنعها أو أتكلم، قامت وشالت الكرتونة وطلعت جري عبر الممر.
بعدها بلحظات، البنت الحافية كانت بتبص للكوتشي الأبيض اللي بخطوط بمبي وكأنها مش مصدقة إن ده حقيقي ولا في حلم. أمها حطت إيدها على بوقها وبدأت تعيط بدموع محبوسة.
البنت همست بحاجة مسمعتهاش، وغادة ضحكت ضحكة صافية من قلبها.. ضحكة تمنيت لو أقدر أحبسها في قزازة وأشيلها للعمر كله.
روحت البيت وغادة لابسة كوتشيها القديم المتقشر، بس كنت حاسة بفخر يملى الدنيا.
تاني يوم الصبح، صحيت بدري وكنت خارجة أجيب ملفات وأوراق نسيتها في العربية.
بس أول ما فتحت باب الشقة وطلعت الجنينة.. ركبي سابت!
وقلبي كان هيقف من الخضة.
النجيلة بتاعة الجنينة والمشاية كانوا غرقانين كراتين جزم سودا!
عشرات الكراتين.. مرصوصة رصة عسكرية بالمسطرة فوق النجيل الأخضر.
ماما؟ صوت غادة جه من ورايا، هو ده لينا؟
معرفتش أنطق.
نزلت على ركبي قدام أقرب كرتونة لينا، وشديت الغطا بتاعها بقوة.. وبصيت جواها.
في اللحظة دي، صرخة حادة ومكتومة طلعت من حنجرتي من الصدمة!
غادة اتخضت ونزلت على الأرض جنبي وهي بتترعش ماما! في إيه؟ إيه اللي جوه؟.......
إيه اللي جوه الكرتونة؟
الكوتشي الأبيض اللي بخطوط بمبي! نفس الموديل، ونفس الماركة، ونفس المقاس.. بس الصدمة الحقيقية مكانتش هنا.. الصدمة إن الكرتونة كان فيها كمان ظرف مقفول، ولما فتحته ولقيت اللي جواه، حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
جوه الظرف كان فيه رزمة فلوس جديدة لانج، يجي فيها 20 ألف جنيه، ومعاها ورقة مكتوبة بخط إيد مبهدل ومهزوز
ده حق الشقى والتعب اللي غادة تعبته في 6 شهور.. وحق الكوتشي اللي قلعتوه لبنتي في عز الشمس. الجزم دي كلها هدايا لغادة.. بس أمانة عليكي يا ست هانم اقري الورقة التانية اللي تحت الجزم، عشان تفهمي الكراتين دي جت منين.. وتعرفي الحقيقة اللي مستخبية عنك وعن جوزك من سنين!
أنا وغادة كنا واقفين في الجنينة مذهولين، ال 68 كرتونة مرصوصين زي العساكر، وكل كرتونة مرسوم عليها لوجو غريب..