قصة جديدة
أهلي رموا أختي وولادها التوأم الرضّع في عز عاصفة مطر عشان اتطلقت، وقالوا إنها جابت العار للعيلة، وقطعوا علاقتهم بيها تمامًا. أول ما عرفت، ركبت عربيتي وسافرت أكتر من 3 ساعات وسط المطر الغزير عشان ألحقهم... لكن اللي شوفته أول ما وصلت خلاني أتجمد مكاني.
العاصفة كانت محولة الطريق السريع لنهر أسود مخيف.
كنت قاعد في البيت بصحح امتحانات الطلبة، لما بنت خالتي منى اتصلت بيا. صوتها كان بيرتعش بشكل خلاني بالعافية أفهم هي بتقول إيه.
قالت
يا كريم... إنت تعرف إن أهلك سابوا أختك سارة في محطة الأتوبيس القديمة؟
ضحكت ضحكة قصيرة من كتر ما الجملة كانت مستحيلة.
قلت
إيه؟!
همست
مع التوأم... أختك وطفليها الرضّع. سابوها هناك بعد ما رجعوا من الجامع. أبوك قال إنها مبقتش مرحب بيها في البيت.
القلم وقع من إيدي.
سارة كانت مخلصة إجراءات طلاقها من أسبوعين بس. جوزها السابق، حسام، كان سحب كل الفلوس من الحساب المشترك واختفى أيام طويلة، وبعدها اتهمها إنها هي اللي خربت البيت لما طلبت الطلاق. لكن أهلي كانوا مهتمين بكلام الناس أكتر من اهتمامهم بالكدمات اللي كانت سارة بتحاول تداريها.
سألت بسرعة
هي فين دلوقتي؟
قالت
في محطة الأتوبيس القديمة اللي على طريق الصحراوي. المحطة مقفولة من سنين. أنا عرفت بالصدفة لما خالتي فاطمة كلمت أمي وهي بتعيط. يا كريم، في تحذيرات من السيول.
كنت بالفعل ماسك مفاتيح العربية.
ثلاث ساعات كاملة والمطر بينزل بعنف على الزجاج الأمامي. الشبكة كانت بتقطع طول الطريق. اتصلت بسارة سبعة وتلاتين مرة. كل مرة يرد البريد الصوتي.
بعدها اتصلت بأبويا.
رد بعد أربع رنات.
صرخت
هي فين؟!
قال ببرود
في المكان اللي اختارته لنفسها.
قلت
دي لسه والدة من أيام!
رد
هي اللي اختارت الفضيحة.
صرخت أكتر
معاها طفلين رضّع!
قال
كان لازم تفكر فيهم قبل ما تطلب الطلاق.
في اللحظة دي كنت هطلع بالعربية برا الطريق من شدة الغضب.
أول ما وصلت للمحطة المهجورة، نور العربية كشف أرض متشققة، وشبابيك مقفولة بألواح خشب، وأكياس قمامة بتطير مع الهوا.
المكان كله كان غرقان في الضلمة، إلا نور أصفر ضعيف جنب المدخل الجانبي.
نزلت أجري من العربية.
المطر كان بينفذ لجوه هدومي في ثواني.
صرخت
سارة!
محدش رد.
وفجأة سمعته.
صوت طفل بيعيط.
صوت ضعيف...
مرهق...
ومليان خوف.
جريت ناحية الصوت ودفعت الباب الجانبي بقوة.
ريحة الرطوبة والخرسانة المبلولة والدخان القديم كانت مالية المكان.
نور الكشاف مرّ على كراسي مقلوبة، وإعلانات قديمة متقطعة، وبرك مياه منتشرة على الأرض.
في البداية شفت شنطة الأطفال.
بعدها شفت كرسي البيبي.
واحد من التوأم كان جواه، ملفوف في بطانية مبلولة، ووشه محمر من كتر العياط.
أما الطفل التاني فكان في حضن سارة.
أختي كانت قاعدة على الأرض وسندة ضهرها على الحيطة.
وشها كان أبيض زي الورق.
شعرها لازق في خدودها من المطر.
وشفايفها مزرقة من البرد.
وإيدها كانت ضامة ابنها لصدرها بكل قوتها.
لكن ده ماكانش اللي خلاني أتجمد مكاني.
جنبها مباشرة كان فيه ظرف أبيض.
مكتوب عليه اسمي بخط واضح
كريم
وخلف سارة على الحيطة، كانت فيه جملة متكتبة ببخاخ أسود وكأنها لسه مكتوبة من دقائق
قولوا لكريم الحقيقة اللي مستخبيّة.
سارة رفعت عينيها وبصتلي بنظرة عمري ما شوفتها فيها قبل كده.
نظرة خوف...
ووجع...
وسر كبير.
همست بصوت مكسور
ما تفتحش الظرف...
وبعدها مباشرة وقعت على الأرض وفقدت الوعي.
وقعت سارة قدامي وأنا لسه مستوعبش اللي بيحصل.
جريت
كان فيها نبض... ضعيف، لكنه موجود.
التوأم كانوا بيعيطوا بصوت متقطع من البرد والجوع.
خلعت الجاكيت بتاعي ولفيت بيه الطفلين، وبعدها اتصلت بالإسعاف.
لكن بسبب العاصفة، قالوا إن الطريق شبه مقطوع وإن وصولهم هيتأخر.
ماكنش قدامي غير حل واحد.
شلت سارة بمساعدة واحد من عمال محطة بنزين قريبة كان سمع صوت العربية وجري يشوف في إيه، وحطيناها في الكنبة الخلفية.
الظرف الأبيض كان لسه على الأرض.
بصيت له للحظة.
افتكرت كلام سارة
ما تفتحش الظرف.
لكن شيء جوايا كان بيقولي إن الورقة دي هي مفتاح كل اللي بيحصل.
أخدته معايا وركبت العربية.
طول الطريق للمستشفى، كنت سايق بإيد، وببص في المراية كل ثانية على أختي والتوأم.
كنت خايف أفقد حد منهم.
لما وصلنا أخيرًا، الأطباء دخلوا سارة فورًا.
قالولي إنها كانت على وشك الانهيار الكامل بسبب الإرهاق ونقص الأكل والبرد الشديد بعد الولادة.
أما الطفلين فاحتاجوا رعاية ومتابعة، لكن الحمد لله حالتهم كانت مستقرة.
قعدت على كرسي في الممر.
إيدي كانت ماسكة الظرف.
قلبي بيدق بعنف.
وأخيرًا فتحته.
كان جواه مجموعة أوراق
أول حاجة شدت انتباهي كانت الصورة.
أنا وسارة.
وأحنا أطفال.
لكن كان في