قصة جديدة

لمحة نيوز


طفل تالت واقف جنبنا.
ولد صغير.
عمره يمكن خمس سنين.
باصص للكاميرا وبيضحك.
اتجمدت.
أنا عمري ما شفت الصورة دي قبل كده.
قلبت الورقة اللي وراها.
مكتوب بخط يد جدتي
أحفادي الثلاثة.
ثلاثة؟
أنا وسارة أبناء وحيدين.
مين الطفل التالت؟
فتحت الورقة اللي بعدها.
وكانت رسالة مكتوبة بخط سارة.
لو بتقرأ الكلام ده، يبقى أكيد الأمور وصلت لمرحلة خطيرة.
كملت القراءة.
من سنة تقريبًا، وأنا بدور في أوراق جدو القديمة بعد وفاته. بالصدفة لقيت مستندات تثبت إن كان لينا أخ أكبر اسمه ياسر.
وقفت القراءة للحظة.
حسيت الأرض بتميد بيا.
رجعت أكمل.
ياسر اختفى وهو عنده ست سنين. طول عمرنا سمعنا إنه مات في حادث، لكن الحقيقة مختلفة.
إيدي بدأت ترتعش.
أبويا وأمي عرفوا الحقيقة طول السنين دي كلها.
الرسالة كانت بتزداد صدمة مع كل سطر.
اتضح إن ياسر ما ماتش.
في وقت كانت العيلة بتمر بأزمة مالية كبيرة، حصلت

فوضى أثناء سفر للأسرة.
الطفل ضاع لساعات.
ولما رجعوا يدوروا عليه، ما لقوهوش.
الشرطة فضلت تدور أيام.
لكن بعد فترة، أهلي أعلنوا إنه مات.
وأقفلوا الملف.
لكن المستندات اللي لقيتها سارة كانت بتثبت إن طفل بالمواصفات نفسها اتنقل بعدها بأسابيع لدار رعاية في محافظة تانية.
وكان في احتمالات كبيرة إنه يكون عايش.
سارة كتبت
لما واجهت بابا بالحقيقة، انهار.
حسيت نفسي مش قادر أتنفس.
كملت.
اعترف إنه خاف من الفضيحة وقتها. الناس كلها كانت بتلومهم على إهمالهم. ولما ظهرت خيوط جديدة، قرروا يدفنوها بدل ما يفتحوها.
كانت الكلمات تقيلة بشكل مرعب.
لكن السطر اللي بعده كان الأخطر.
أنا ما اتطردتش من البيت بسبب الطلاق بس.
اتسمرت مكاني.
أنا اتطردت عشان قلت لهم إني هبلغ الجهات المختصة وأحاول أوصل لياسر لو كان لسه عايش.
قفلت الرسالة للحظة.
الممر حواليا اختفى.
العاصفة برا المستشفى.
صوت الأجهزة.

الممرضين.
كل حاجة بقت بعيدة.
كل اللي كنت سامعه هو سؤال واحد
هل عندي أخ عايش في مكان ما؟
تاني يوم الصبح، سارة فاقت.
أول ما فتحت عينيها، سألت على الطفلين.
ولما اتطمنت عليهم، بصتلي وقالت
فتحت الظرف؟
هززت راسي.
سكتت شوية.
وبعدين دموعها نزلت.
قالت
أنا ما كنتش عايزة تعرف بالطريقة دي.
سألتها
الكلام ده حقيقي؟
قالت
للأسف... أيوه.
بعدها حكتلي كل حاجة.
إزاي كانت بتدور من شهور.
إزاي وصلت لسجلات قديمة.
وإزاي اكتشفت إن شخصًا يحمل نفس اسم دار الرعاية القديمة خرج منها في سن 18 سنة، وانتقل لمحافظة تانية.
كان عندهم خيط واحد فقط.
اسم جديد.
وعنوان قديم.
بس كان كفاية نبدأ.
مر أسبوعين.
سارة بدأت تتعافى.
وأنا بقيت أروح وأجي بين شغلي وبين البحث.
وفي يوم.
وصلنا أخيرًا.
بيت بسيط في مدينة هادئة.
قلبي كان هيقف.
خبطت الباب.
بعد لحظات فتح رجل في أوائل الأربعينات.
ملامحه خلت الدم يتجمد
في عروقي.
كان شبه أبويا بشكل مخيف.
ونفس عيون جدتي.
فضل يبصلنا.
وبعدين قال
أقدر أساعدكم؟
سارة بدأت تبكي.
وأنا بصعوبة قلت
إحنا... يمكن نكون عيلتك.
الرجل سكت.
وبعدين دخلنا.
ساعات طويلة من الكلام.
وصور.
وأوراق.
وتفاصيل.
وفي النهاية...
تحليل الحمض النووي أكد الحقيقة.
ياسر كان عايش فعلًا.
أخويا.
أخويا اللي اتقالنا طول عمرنا إنه مات.
بعد شهور، الحقيقة كلها خرجت للنور.
أهلي اعترفوا بأخطائهم.
مش بسهولة.
ولا بسرعة.
لكنهم اعترفوا.
وأدركوا إن خوفهم من كلام الناس دمّر حاجات كتير.
أكتر مما كانوا متخيلين.
أما سارة...
فالناس اللي اتهموها يومًا إنها خربت العيلة...
كانت هي نفسها السبب في إن العيلة ترجع تتجمع من جديد.
التوأم كبروا وسط حب كبير من كل إخواتهم.
وياسر بقى جزء من حياتنا بعد غياب عمر كامل.
وأحيانًا...
لما أبص للصورة القديمة اللي كانت جوه الظرف...
وأشوف التلات أطفال
واقفين جنب بعض...
أفكر في حاجة واحدة.
إن الحقيقة ممكن تتأخر سنين طويلة...
لكن عمرها ما بتختفي للأبد.

 

تم نسخ الرابط