بعت دهب وسحبت تحويشة عمرى علشان فرح اخو جوزى

لمحة نيوز


التوتر.
وفي يوم عادي جدًا، كنت براجع ملفات في المكتب، لما السكرتيرة دخلت وقالت
في سيدة كبيرة برة مصرة تقابلك.
سألتها اسمها إيه؟
قالت الحاجة أم كريم.
اتجمدت للحظة.
حماتي السابقة.
طلبت تدخل.
دخلت ببطء، وكان الزمن واضح على وشها.
قعدت قدامي وسكتت شوية، ثم قالت
أنا مش جاية أطلب منك ترجعي لابني.
بصيت لها باستغراب.
كملت
أنا جاية أقولك حاجة كان لازم تعرفيها من زمان.
طلعت ظرف قديم من شنطتها.
وحطته قدامي.
فتحته.
كان جواه مجموعة أوراق وخطابات.
أول ما شفت التاريخ، قلبي دق بسرعة.
الخطابات كانت من أمي الله يرحمها.
أمي اللي توفت قبل جوازي بسنين.
رفعت عيني باستغراب.
فقالت
أمك كانت صاحبتي زمان... قبل ما يحصل بينا خلاف كبير.
بدأت أقلب في الخطابات وأنا مش مستوعبة.
وكان في خطاب مكتوب فيه
لو حصل لي حاجة، أنا مطمنة على نيروز لأنها قوية، لكن أوعي حد يكسّر قلبها أو يستغل طيبتها.
دموعي نزلت غصب عني.
أول مرة أشوف كلام بخط إيد أمي بعد السنين دي كلها.
حماتي مسحت دموعها هي كمان وقالت
أمك كانت شايفة فيكي حاجة عظيمة... وأنا للأسف ما شفتهاش غير متأخر.
سكتنا لحظات طويلة.
ثم قامت وقالت
كنت محتاجة أرجع الأمانة دي قبل ما أمشي.
استغربت كلمة أمشي.
سألتها تمشي فين؟
ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت
الدكتور قالي إن صحتي مش أحسن حاجة.
وتركت المكتب بهدوء.
بعدها بشهور قليلة، وصلني خبر وفاتها.
ورغم كل اللي حصل بينا، دعيت لها بالرحمة.
لأن الكراهية كانت خرجت من قلبي من زمان.
وفي ليلة هادئة، رجعت أقرأ خطابات أمي مرة تانية.
ولقيت ورقة صغيرة ما كنتش منتبهة لها.
مكتوب فيها
يا نيروز... الناس ممكن تكسرك مرة، واتنين، وعشرة... لكن طول ما قلبك نظيف، ربنا هيعوضك بطريقة تخليكي تنسي كل وجع.
قفلت الورقة وابتسمت.
وبصيت من شباك البيت على حياتي الجديدة.
حياة ما كانش فيها ظلم.
ولا إهانة.
ولا انتظار

لتقدير من حد.
لأن أكبر هدية أخدتها بعد كل اللي حصل...
إني عرفت قيمتي الحقيقية.
النهاية الحقيقية. بعد سنة من وفاة حماتي، كنت فاكرة إن كل الأبواب القديمة اتقفلت خلاص.
لكن في صباح يوم شتوي، وصلني طرد صغير من شركة شحن.
المرسل يُسلَّم إلى نيروز فقط.
استغربت.
فتحت الطرد.
لقيت صندوق خشب صغير، ومفتاح، وجواب.
الخط كان مألوفًا.
كان خط حماتي.
بدأت أقرأ
لو وصلّك الجواب ده، يبقى أنا مش موجودة. وفي حاجة لازم تعرفيها.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
كملت القراءة.
في آخر سنة من حياتي، اكتشفت سر احتفظ بيه جوزي الله يرحمه أكتر من عشرين سنة. سر يخصك إنتِ.
وقفت عن القراءة لحظة.
أنا؟
إزاي؟
فتحت الصندوق بالمفتاح.
كان جواه عقد قديم، وصور باهتة، ومظروف أصفر.
أول صورة طلعتها كانت لأمي وهي صغيرة.
وفي الصورة شخص واقف جنبها.
شخص أعرفه كويس.
أبو كريم.
لكنهم كانوا أصغر بسنين طويلة.
فتحت المظروف بسرعة.
ولقيت جوابًا بخط والد كريم.
لو نيروز وصلت للرسالة دي يومًا، لازم تعرف إن والدتها كانت السبب في إنقاذ حياتي وأنا شاب. ولولاها ما كنتش عشت ولا بنيت العيلة اللي الناس عرفتها بعد كده.
فضلت أقرأ وأنا مش مصدقة.
اتضح أن أمي ساعدته في أزمة كبيرة زمان، وضحت بجزء كبير من ميراثها علشان تنقذه من السجن بسبب ديون ما كانش قادر يسددها.
وكان ناوي يرد الجميل.
لكن القدر ما إدّاش له الفرصة.
وفي آخر الرسالة كتب
لو قرأتِ هذه الكلمات يومًا، فاعرفي أن لعائلتك دينًا في رقبتنا لا يُقدَّر بمال.
قفلت الجواب وأنا ساكتة.
مش علشان الفلوس.
ولا علشان الماضي.
لكن لأن أمي، حتى بعد رحيلها بسنين، كانت لسه بتزرع خير في حياة الناس.
وبعد أيام، وأنا برتب محتويات الصندوق، لقيت ورقة تانية.
كانت عبارة عن خريطة بسيطة ومكان مكتوب عليه اسم قطعة أرض قديمة.
روحت أشوفها بدافع الفضول.
واكتشفت إن الأرض دي كانت مسجلة باسم أمي
من عشرات السنين، واتنسى أمرها وسط الأحداث والسنين.
وبعد إجراءات طويلة، رجعت الأرض لورثتها الشرعيين.
ولما وقفت عليها أول مرة، افتكرت كل حاجة.
افتكرت تعب أمي.
وصبري.
والسنين اللي عدت.
وفي اللحظة دي قررت أبني على الأرض مركزًا صغيرًا لتعليم البنات الحرف والمهن مجانًا.
وحطيت على المدخل لوحة مكتوب عليها
مؤسسة أمينة الخير لا يموت.
اسم أمي.
وبعد الافتتاح بأشهر، كانت عشرات البنات بيتعلموا ويشتغلوا ويبدأوا حياة جديدة.
ساعتها فقط حسيت إن القصة كلها اكتملت.
لأن النهاية الحقيقية ما كانتش إن نيروز انتصرت على اللي ظلموها...
النهاية الحقيقية كانت إنها حولت ألمها إلى خير يعيش بعد عمرها، تمامًا كما فعلت أمها من قبل.
تمت تمامًا. بعد افتتاح مؤسسة أمينة بسنتين، بقى المكان معروف في المحافظة كلها.
كل أسبوع كانت بنات جديدة تيجي تتعلم، وتخرج وهي قادرة تبدأ شغلها بنفسها.
وفي يوم، وأنا بلف بين القاعات، لفت نظري بنت صغيرة قاعدة لوحدها في آخر الفصل.
هادية بشكل غريب.
كل البنات بيتكلموا ويضحكوا، إلا هي.
قربت منها وسألتها
اسمك إيه يا حبيبتي؟
رفعت عينيها وقالت
سلمى.
مالك؟ مش مبسوطة؟
هزت رأسها وقالت
مبسوطة... بس خايفة.
من إيه؟
سكتت ثواني ثم قالت
خايفة أرجع البيت.
الكلمة دي رجعتني سنين لورا.
قعدت جنبها وبدأت أسمع منها.
عرفت إن أبوها متوفى، وأمها مريضة، وأعمامها بيضغطوا عليها تسيب التعليم وتشتغل أي شغل وخلاص.
ولما سألتها نفسها تتمنى إيه، قالت
نفسي أبقى مهندسة.
ابتسمت.
لأن الجملة دي كانت أكبر من عمرها بكتير.
ومن اليوم ده، المؤسسة بدأت تتكفل بمصاريف دراستها.
مرت السنوات.
وسلمى كانت من أوائل البنات اللي يدخلوا ويخرجوا من المؤسسة.
وفي كل سنة كانت بترجع تزورنا.
لحد ما جه يوم افتتاح مبنى جديد للمؤسسة.
المكان كان مليان ناس وصحفيين وشخصيات مهمة.
وأثناء الحفل، أعلنت المذيعة
والآن
كلمة المهندسة سلمى حسن، المشرفة على مشروع التوسعة الجديد.
وقفت مكاني مصدومة.
البنت الصغيرة اللي كانت خايفة ترجع بيتها...
بقت مهندسة فعلًا.
طلعت على المسرح، ووقفت قدام الميكروفون.
وقالت
من سنين طويلة، دخلت المكان ده وأنا فاكرة إن حياتي انتهت قبل ما تبدأ.
ثم بصت ناحيتي وسط الحضور.
وقالت
لكن في إنسانة آمنت بيا وأنا ماكنتش مؤمنة بنفسي.
دموعي نزلت غصب عني.
أما هي فابتسمت وأكملت
الناس فاكرة إن المؤسسة دي بنت مباني... لكن الحقيقة إنها بنت بشر.
القاعة كلها صفقت.
وفي اللحظة دي، رفعت عيني للسماء.
وافتكرت أمي.
وافتكرت كل وجع عديت بيه.
ولو حد كان قالي يوم ما كنت قاعدة على ترابيزة جنب المطبخ، مكسورة ومهانة، إن النهاية هتكون بالشكل ده...
ماكنتش هصدقه أبدًا.
لكن الحياة كان عندها خطة أكبر.
وأحيانًا، أكثر اللحظات اللي بنفتكر إنها نهاية الطريق...
بتكون مجرد أول صفحة في قصة أجمل بكتير.
وهكذا انتهت حكاية نيروز... لكن أثرها فضل مستمر في حياة ناس كتير بعدها. وبعد عشر سنين...
بقى اسم مؤسسة أمينة معروف في محافظات كتير، واتحول الحلم الصغير لمشروع بيساعد مئات البنات كل سنة.
أما نيروز، فكان شعرها بدأ يشيب شوية، لكن ابتسامتها بقت أهدى وأقوى.
وفي يوم من الأيام، كانت قاعدة في مكتبها تراجع بعض الملفات، لما دخلت عليها السكرتيرة وقالت
في شاب برة عايز يقابلك، وبيقول إن المقابلة مهمة جدًا.
استغربت.
مين هو؟
قال إنه هيفهمك بنفسه.
سمحتله يدخل.
دخل شاب في أواخر العشرينات، محترم ومرتب، وفي إيده ملف قديم.
أول ما قعد، قال
حضرتك ما تعرفينيش... لكن أنا أعرفك من زمان.
ابتسمت وسألته
إزاي؟
فتح الملف قدامه.
وأخرج صورة قديمة جدًا.
لما بصتلها، اتجمدت.
كانت صورة من فرح أخو كريم.
نفس الليلة.
نفس القاعة.
ونفس الترابيزة الصغيرة اللي كانت قاعدة عليها جنب المطبخ.
سألت باستغراب
جبت الصورة
دي منين؟
ابتسم وقال
لأن أبويا كان من العمال اللي كانوا شغالين في القاعة يومها.
سكت لحظة ثم أكمل
وأنا كنت طفل صغير معاه.
بدأ الفضول يزيد عندها.
فقال الشاب
يومها شفتك وإنتِ
 

تم نسخ الرابط