قصة جديدة
وبعدين رجع بصلي وقال بصوت واطي
إنت سليم.. صح؟ الزوج الجديد؟
الكلمة نزلت عليا زي السكينة. قولتله بزعيق
انزل من العربية دي وفهمني في إيه، بدل ما ألم عليك أمة لا إله إلا الله هنا!
الراجل أخد نفس طويل، وبص للولد وقاله انزل يا يوسف اقف جنب العربية واقفل الودان دي خالص. الولد نزل وهو بيعيط وخايف، والراجل فتح الباب ونزل وقف قدامي. حط إيده في جيبه وطلع علبة سجاير، ولع واحدة وإيده بترحف، وقال بنبرة حزينة
وحد الله يا أستاذ سليم.. أنا عارف إن الصدمة شديدة عليك، بس اللي ماتت دي.. كانت طلقيتي وأم ابني يوسف قبل ما تكون مراتك.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا أكتر، وكنت هقع، بس سندت على العربية وقولتله وأنا بمسكه من قميصه
أنت كداب!
مش كداب والله..
برقت عيني وقولتله والدتها؟! إزاي؟ دي أمها!
قال والدموع في عينه لأ.. دي مكنتش أمها. دي كانت ست وحيدة ومعندهاش عيال، وجالها مرض شديد، فريدة اتعرفت عليها وبقت تخدمها بفلوس. الست دي حبت فريدة جداً ولما عرفت إنها بتمر بظروف صعبة ومشاكل معايا، عرضت عليها عرض شيطاني.. قالت لها أنا هكتبلك الشقة والفلوس اللي في البنك باسمك، بس بشرط.. تقعدي معايا وتتسمي باسمي قدام الناس، وتتطلقي من جوزك وتنسي ابنك وتعيشي حياتك من
وقف الكلام في زوري، ومبقتش عارف أنطق. الراجل كمل وهو بيمسح دموعه
فريدة عمتها الفلوس، طلبت مني الطلاق، ولما رفضت، رفعت عليا قضية خلع وكسبتها. أخدت ابنها يوسف وحرمتني منه شهور، ولما الست دي تعبت أوي ونقلوا الشقة الجديدة اللي في حيكم الهادي، فريدة رمتلي يوسف وقالتلي خليه معاك أنا داخلة على حياة جديدة.. غيرت ورقها، بمساعدة ناس بفلوس الست دي، وطلعت قسيمة طلاق واختفت، وعملت نفسها البنت الخجولة اللي ملهاش حد غير أمها المريضة عشان تجذب حد زيك.. شاب محترم، مهندس، وعنده مستقبل، تعوض بيه عقدة النقص اللي كانت عايشاها معايا.
وقعت على الرصيف، مش قادر أشيل طولي. كل ذكرياتي مع فريدة بقت بتمر قدام عيني زي شريط السينما، بس بالمعكوس.. ضحكتها الخجولة، طيبتها، خوفها من الولادة.. هل كل ده كان تمثيل؟ هل الحب اللي عشته كان وهم؟
بصيت للراجل وقولتله بصوت مخنوق طب وهي.. وهي حامل دلوقتي.. ابني أنا؟
الراجل طبطب على كتفي وقال بألم آه يا سليم.. ابنك إنت. يوسف ابني كان متعلق بفريدة جداً رغم اللي عملته، وكان بيراقبها من بعيد لبعيد وعارف مكان الشقة. لما عرفت بطريقتي إنها في المستشفى وبتولد، جيت
الراجل أخد ابنه يوسف وركبوا العربية ومشيوا، وسابوني في وسط المدافن، مابين حزن الوداع وصدمة الخيانة. مكنتش عارف أبكي على فريدة اللي حبيتها وماتت، ولا أبكي على نفسي اللي اتخدعت في أأمن إنسانة ليا في الدنيا.
سيبت المدافن ورجعت المستشفى وأنا زي الزومبي، لا شايف ولا سامع. دخلت أوضة الأطفال المبتسرين، وقفت قدام الإزاز وبصيت للطفل الصغير اللي لسه مولود.. حتة لحمة حمرا، نايم في الحضّانة وبيتنفس بصعوبة.
بصيت له ودموعي نزلت.. الطفل ده ملوش ذنب في أي حاجة. هو ابن فريدة اللي خدعتني، بس هو برضه ابني أنا، حلمي اللي كنت مستنيه.
حطيت إيدي على الإزاز وقولتله أنا مش هسيبك يا ابني.. إنت الحقيقة الوحيدة اللي طلعت بيها من الليلة المظلمة دي.
مرت الأيام، وطلعت شهادة ميلاد لابني وسميته آدم. مكنتش قادر أرجع الشقة اللي شهدت خديعة فريدة، بعتها بكل اللي فيها، وأخدت ابني وسافرت لبيت أهلي في المنصورة عشان أبدأ من جديد.
مرت خمس سنين، وآدم كبر وبقى شبهي في كل حاجة،
في يوم، وأنا قاعد مع آدم في حديقة عامة، لقيت ولد شاب قرب مني، ملامحه مش غريبة عليا. ركزت في وشه.. كان يوسف، بس كبر وبقى طولى.
يوسف بصلي بابتسامة حزينة وقال أستاذ سليم؟ أنا يوسف.. فاكرني؟
وقفت وسلمت عليه، ولقيت قلبي بيدق بسرعة. قولتله أهلاً يا يوسف.. كبرت ما شاء الله. بابا عامل إيه؟
يوسف قعد جنبي وبص لآدم الصغير وقال بابا اتوفى من سنتين يا أستاذ سليم.. وأنا بقيت لوحدي بشتغل وبدرس. بس طول السنين دي كنت بدور عليك.. مش عايز من الدنيا حاجة، غير إني أشوف أخويا.
بصيت ليوسف، وشوفت في عينيه نفس الكسرة القديمة، بس معاها لهفة وأمل. بصيت لآدم اللي كان بيلعب ومبسوط، وحسيت إن ربنا باعتلي يوسف عشان الدايرة تكتمل.. فريدة غطت دنيتها بالكدب، بس سابت وراها طفلين ملهمش ذنب.
مديت إيدي ليوسف وقولتله أخوك أهو يا يوسف.. ومن النهاردة، إنت كمان مش لوحدك. بيتي مفتوحلك في أي وقت، وإحنا أهلك.
يوسف دمع، وأخد آدم في حضنه، وآدم ضحك وكأنه عارف إن ده أخوه. في اللحظة دي، حسيت إن روحي هديت تماماً، وإن قصة فريدة قفلت صفحتها المؤلمة، وبدأت صفحة