قصة جديدة
أنا مأديتهاش فرصة تبص لطارق اللي كان واقف ورايا وعينه بتطلع شرار. أخدت الشنط من إيدها بسرعة وبقوة، ودخلتها جوه الشقة وحطيتها في نص الصالة بكل تحدي.
طارق صوته طلع زي الرعد: "انتي بتعملي إيه يا متخلفة؟! انتي اتجننتي؟ أنا حلفت!"
أمي اتخضت ولفت تبص له، وملامح الفرحة اتحولت لذهول وخوف. أنا وقفت قدامه وحطيت إيدي في وسطي، وبأعلى صوت عندي وعين في عينه قولتله: "لأ متجننتش يا طارق! دي أمي.. وده خيرها اللي انت بتقول عليه قرف وزفارة. القرف الحقيقي هو اللي في قلبك ونيتك. الحاجه دي هتدخل، وأمي هتدخل وراسه مرفوعة فوق سابع سما.. واليمين بتاعك ده بلو واشرب ميته!".
طارق وشه جاب ألوان، وعروق رقبته كانت هتنفجر من الصدمة، مكنش متخيل إن "الفلاحة" المطيعة المكسورة ممكن تقف وتقول له لأ. زعق وهو بيشاور على الباب: "انتي طالق! طالق بالثلاثة يا زهرة! وتاخدي أمك وقرفك وتغوروا في داهية، ومش عايز أشوف وشك هنا تاني، والطفل اللي في بطنك ده هعرف آخده منك إزاي!".
أمي لطمت على صدرها وقالت بصوت مرعوب: "يا لهوي! يا بنتي بيتك! يا باشمهندس طارق استهدي بالله، أنا هاخد حاجتي وأمشي حالا، بلاش تخربوا بيتكم عشان خاطري!".
مسكت إيد أمي وبستها وقولتلها بكل قوة: "ولا كلمة يا أمي.. البيت ده هو اللي خربان من يوم ما دخلته. البيت اللي ميهينش ضيف، فما بالك بـ أمي اللي جيبالي خير الدنيا؟ ده مش بيت، ده سجن.. وأنا خلاص حريتي رجعتلي"
التفت لطارق وقولتله برود قاتل هز كبرياؤه: "الطلاق ده أعلى ما في خيلك اركبه.. والبيبي ده، المحاكم بيننا، وهتشوف الفلاحة هتعرف تاخد حقها وحق ابنها منك إزاي. الشقة دي شقة زوجية، وبكرة هجيلك بتمكين، بس أنا اللي مش طايقة أقعد في مكان انت فيه".
دخلت أوضتي، لميت هدومي الأساسية في شنطة بسرعة، وطلعت شلت مع أمي الشنط بتاعتها. طارق كان واقف مذهول ومبرق، مش مصدق القوة اللي نزلت عليا فجأة. خرجنا من الشقة وقفلنا الباب ورا صوت رزعته كانت بداية لحياة جديدة.
وأنا نازلة على السلم، أمي كانت بتعيط وتقول: "يا بنتي شمتي فينا الناس، وخربتي بيتك، هتقولي إيه لأبوكي وأعمامك في البلد؟".
أخدتها في حضني وقولتلها: "هقولهم إني رجعتلكم بكرامتي يا أمي. الكرامة مابتتجزأش، واللي ملوش خير في أهل مراته، ملوش خير في عياله".
رجعنا البلد. أول ما دخلنا بيت عيلتنا، الكل اتصدم. أبويا لما عرف القصة، اتغيرت ملامحه تماماً. كنت فاكرة إنه هيزعقلي ويقولي ارجعي لجوزك، بس أبويا راجل صعيدي أصيل بيجري في عروقه الدم الحامي. وقف وضرب كف على كف وقال: "عفارم عليكي يا بنتي.. لو كنتي وافقتي تهيني أمك عشان تعيشي معاه، مكنتش هعتبرك بنتي ولا كنت هيدخل بيتي قرش من وراه. إحنا ناس مابنبيعش كرامتنا بفلوس الدنيا كلها".
أعمامي وإخواتي كلهم وقفوا معايا وقفة رجالة. حسيت ساعتها بمعنى كلمة "أهل" و"ضهر". الشهور الأولى للحمل عدت عليا وأنا بحاول أسترد
بس أنا مكنتش زهرة الضعيفة بتاعة زمان. وكلت محامي شاطر من طرف أعمامي، وبدأنا نرفع قضايا النفقة والتمكين والمؤخر. طارق افتكر إننا ناس غلابة ومش هنعرف نجاري مصاريف المحاكم، بس اتفاجئ إن عيلتي كلها وقفت ورايا ودفعت الغالي والنفق لجل ما يجيبوا حقي.
مرت الشهور، وجات لحظة الولادة. خلفت ولد زي القمر، سميته "عبد الرحمن" على اسم أبويا. طارق لما عرف، جه المستشفى ومعاه أهله، وكانوا جايين بنبرة من التعالي، فاكرين إن بوجود الطفل هبقى مكسورة وهوافق بأي شروط.
دخل الأوضة وبص للبيبي، وبعدين بصلي وقال: "خلاص يا زهرة.. لعب العيال ده ينتهي، الولد ده مش هيتربى في الفلاحين. هترجعي معايا القاهرة، وتنسي كل اللي حصل، بس مفيش مخلوق من أهلك يعتب بيتي تاني".
ضحكت ضحكة عالية سمعت الأوضة كلها، لدرجة إن أمه اتهزت من الثقة اللي في عيني. قولتله: "انت لسه عايش في الوهم يا طارق؟ انت لسه فاكر نفسك محور الكون؟ أنا اطلقت منك طلاق بائن، وقضية الخلع والطلاق للضرر شغالة، والمحكمة حكمتلي بتمكين من الشقة، وبنفقة متعة وعدة وأجور للطفل تكسر ضهرك. الولد ده هيتربى هنا، وسط الأصول والكرم والنظافة الحقيقية.. نظافة القلب".
أبوه حاول يتكلم بلهجة تهديد، بس لقى إخواتي
طارق حس بالصغر والنقص وسط الرجالة بجد، وأدرك إن الفلوس والعربيات الفخمة مابتشتريش رجولة ولا بتغطي على النقص الإنساني. أخد ديله في سنانه وخرج هو وأهله، وعينه في الأرض.
تمر الأيام، وعبد الرحمن دلوقتي كبر وبقى عنده سنتين. أنا ملقيتش نفسي في قعدة البيت؛ نزلت كملت تعليمي المفتوح، واشتغلت في جمعية زراعية وتجارية في البلد، وبقيت بساعد أبويا وإخواتي في الشغل، وليا كياني وكلمتي وسط الناس.
طارق حاول يرجع كذا مرة بعد ما لقى القضية قفلت في وشه، وبعد ما شقته بقت متمكنة ليا بقوة القانون، وبقى بيدفع مبالغ ضخمة كل شهر وهو ذليل، بس أنا قفلت الباب ده تماماً.
كل يوم الصبح، ببص لأمي وهي شايلة ابني عبد الرحمن وبتلعبه وتأكله الفطير والجبنة القديمة، وبفتكر اليوم اللي وقفت فيه على الباب وبقول لنفسي: "الحمد لله إني اخترت صح.. الحمد لله إني اخترت كرامة أمي".
لأن البيوت اللي بتبتني على كسر الخواطر وإهانة الأهل، هي بيوت من قش، أول ريح بتطيرها. أما الكرامة والأصول، فهي الجدران الحقيقية اللي بتعيش وتدوم، والطفل اللي يتربى في حضن أم عزيزة النفس، بيطلع راجل