قصة جديدة
الحق لا يغفو طويلا صياغه ادبيه نرمين عادل همام
بسم الله الرحمن الرحيم
ألغيت رحلتي المتصلة.
كان بإمكاني أن أبيت في فندق فاخر أتناول عشاء هادئا وأنتظر رحلة الغد. لكن شيئا في صدري تلك النداءات الخفية التي لا يخطئها قلب تعلم الإصغاء مبكرا همس لي عد إلى البيت.
استأجرت سيارة وقدت أربع ساعات حتى وصلت إلى منزلنا في أحد أرقى أحياء القاهرة.
كان الوقت الحادية عشرة صباحا يوم ثلاثاء.
وكان من المفترض أن يستقبلني البيت برائحة القهوة بالقرفة أو بطبق ساخن تعده أم حسن عاملة المنزل وعموده الصامت.
توقعت أن تستقبلني داليا زوجتي بابتسامة بقبلة سريعة وربما ببعض الشكاوى المعتادة عن الزحام أو النادي الرياضي.
لكن حين فتحت الباب
سقط الصمت فوقي كالحجر.
صمت ثقيل غريب على بيت فيه طفلان توأم لم يبلغا الثالثة.
وضعت حقائبي بهدوء واتجهت نحو الصالة.
هناك سمعته
لم يكن ضحكا ولا موسيقى.
كان بكاء خافتا مكتوما لطفلين
ومعه صوت امرأة لا يحمل ذرة رحمة.
يلا يا ست إنتي! أسرعي شوية!
إنتي بطيئة زي السلحفاة!
كان صوت داليا
لكن بنبرة لم أعرفها من قبل نبرة قاسية لئيمة.
تقدمت أكثر.
رائحة المبيض ملأت الممر حتى كادت تحرق حلقي.
اقتربت من باب حمام الضيوف كان نصف مفتوح.
وحين نظرت
تجمد الدم في عروقي.
كانت أمي الحاجة أمينة
في الثانية والسبعين من عمرها
جاثية على ركبتيها
امرأة بالكاد تقف في يوم عادي بسبب آلام المفاصل.
على ظهرها كان التوأمان مربوطين بإيشارب ضيق
يبكيان بحرقة.
وهي ظهرها المرتعش منكمش
تفرك قاعدة المرحاض بإسفنجة قديمة.
إلى جوارها كانت أم حسن راكعة تبكي في صمت ويداها مرفوعتان تستجديان الرحمة.
والنبي يا هانم متجبريهاش تقعد على ركبتها.
رجليها وجعاها النهارده قوي.
أنا أعمل كل حاجة بس سيبيها تقوم.
لكن داليا لم تلتفت.
كانت تنظر إلى أظافرها ببرود وقالت بازدراء
أنا قلت اللي ياكل تحت سقفي يشتغل.
وبعدين يعني إيه المشكلة شوية حركة مش هتموت.
دي أصلا نص تعبانة.
صرخت أم حسن وهي تبكي
حرام عليكي يا هانم!
سيبيني أنا أساعدها!
في تلك اللحظة استدارت داليا.
وانكشف وجهها الحقيقي.
رفعت يدها
وصفعت أم حسن صفعة دوى صداها في المكان.
ارتطم رأسها بحافة المغسلة
وسالت قطرات دم على جبينها.
شهقت أمي وأسقطت الإسفنجة
وحاولت حماية أم حسن
لكن التوأمين على ظهرها كادا أن يسقطاها أرضا.
صرخت داليا فيها
وإنت!
لو مخلصتيش الشغل ده في خمس دقايق
هتنامي في أوضة الخدامين ومن غير عشا!
انقبض صدري حتى شعرت بالغثيان.
كل ما حققته من نجاح
كل المال القصور السيارات
لم يكن يساوي شيئا.
لقد تركت أمي
قديسة قلبي
في فم الذئب.
والذئب
كان يعيش معي تحت السقف نفسه.
صرخت بأعلى صوتي
داليا!
اهتز البيت.
وانتفضت هي
والتفتت نحوي
كأن صاعقة ضربتها.
تلاشت قسوتها في لحظة وظهر الخوف عاريا في وجهها.
تمتمت بصوت مرتعش
ك كريم! إنت رجعت بدري ليه
مش زي ما إنت فاكر
أمك هي اللي أصرت وأنا
لم أسمح لها بإكمال الجملة.
ركعت على الأرض المبتلة بالمبيض غير آبه ببدلتي.
حررت التوأمين من على ظهر أمي حملتهما واحدا واحدا ثم ساعدتها على الوقوف.
كانت باردة كالثلج.
يداها ترتجفان كأنهما لم تعودا جزءا منها.
همست وأنا أمسح الدموع عن وجهها
ماما ليه
ليه ما قولتيليش
لم تجب.
بكت فقط.
بكاء صامتا يشبه بكاء أمهات كثيرات تعلمن أن الصمت أأمن من الشكوى.
اقتربت أم حسن تنزف تمسح الدم بطرف مئزرها.
أخرجت من جيبها ذاكرة USB صغيرة ومدتها لي بيد مرتعشة.
قالت بصوت مكسور
يا بيه سامحني إني أديك الحاجة دي كده.
بس أنا خلاص ما بقيتش قادرة أسكت.
في تلك اللحظة
ابيض وجه داليا
كأن الحياة انسحبت منه دفعة واحدة.
صرخت بهستيريا
كريم! متسمعش لها!
دي مجنونة!
بتغير مني!
ما تصدقش أي حاجة جوه الفلاشة دي!
أمسكت ال بقوة حتى صرت مفاصلي.
قلت بهدوء قاتل
لو بتكدب يا داليا
ليه بترتعشي كده
أخرجت أمي وأم حسن من الحمام.
أجلست أمي على الأريكة الرئيسية
الأريكة التي كانت داليا تمنعنا من الجلوس عليها لأنها قطعة فنية إيطالي.
قلت لها بصرامة
هاتي
رفعت رأسها بعناد وقالت بوقاحة
إنت مكبر الموضوع.
ده خدش بسيط.
وبص بقى شوف الحمام اتوسخ إزاي!
لم ألمسها.
أنا لا أمد يدي على امرأة.
لكنني اقتربت منها بما يكفي لتشعر بالنار في عيني.
كررت ببطء
هاتيه
وإلا أقسم بذكرى أبويا
أرميكي بره البيت دلوقتي.
هربت.
وأثناء ما كنت أنظف جرح أم حسن وأساعد أمي على شرب شاي دافئ
أدخلت ال في الحاسوب.
وظهر كل شيء.
كاميرات خفية.
داليا ترمي الطعام على الأرض وتجبر أمي على التقاطه.
تسخر من ملابسها أمام صديقاتها.
تحبس أم حسن في غرفة الغسيل بالساعات.
تصفع.
تهين.
تأمر.
ثم تضحك.
أغلقت الحاسوب.
قلت بصوت ثابت لا رجعة فيه
كده الموضوع خلص.
عادت داليا تحمل صندوق الإسعافات تحاول التظاهر بالقلق.
قالت وهي تتصنع البكاء
يا حبيبي خلينا نعقلها.
إنت متوتر بس.
أمك مكبرة الموضوع.
قاطعتها فورا
الوحيدة اللي بتتخيل هنا إنت.
ولو فاكرة إنك هتباتي ليلة تانية في البيت ده تبقي غلطانة.
ارتفع صوتها
إنت بتطردني!
أنا أم عيالك!
والبيت نصه باسمي!
اقتربت منها وقلت بوضوح
خدي نص البيت.
خدي العربيات.
خدي أي حاجة.
بس احترامي وأمي وولادي
انتهى حقك فيهم يوم ما مديتي إيدك عليهم.
صرخت بجنون
كذابين!
أمك غيرانة!
وأم حسن خدامة جاهلة!
زمجرت
اخرسي!
اهتزت الجدران من
قلت بحدة
الوضاعة مش في الفقر.
الوضاعة في ضرب ست عجوز.
وفي إهانة ناس بتشتغل بكرامة.
التقطت الهاتف واتصلت
ألو يا حضرة المقدم سامح
أنا كريم.
محتاج