تركتني أمي ومعي ورقة نقدية مجعدة من فئة العشرين دولارًا، وكلمة واحدة كان طعمها كالرماد
اسمي سيدني. عمري أحد عشر عاما وفي الصيف الماضي تركتني أمي ومعي ورقة نقدية مجعدة من فئة العشرين دولارا وكلمة واحدة كان طعمها كالرماد في فمي مستقلة.
أترين أنت مستقلة الآن قالت بابتسامة مشرقة لكنها هشة وهي تجر حقيبة سفرها من نوع سامسونيت نحو الباب الأمامي. لم تعودي طفلة يا سيدني. اطلبي طعاما إن احتجت. سأعود قبل أن تشعري بمرور الوقت.
مستقلة.
كانت تلك كلمتها هي لا كلمتي. وقفت في بهو المنزل أحدق في الورقة النقدية في كفي. عشرون دولارا. لا خطة. لا قائمة بأرقام الطوارئ. ولا حتى وداع حقيقي. مجرد قبلة سريعة شاردة على جبيني وصوت كعبي حذائها يطرق أرضية الخشب وصوت حقيبة السفر تتدحرج في الممر كالرعد.
ثم أغلق الباب الأمامي في وجهي.
قلت بصوت مسموع للممر الفارغ سأكون بخير وأنا أختبر ثقل الكذبة.
لكن يدي كانتا ترتجفان. لم يكن هناك أحد غيري في البيت. كان أبي قد رحل قبل ثلاث سنوات من أجل بداية جديدة في Arizona وكانت طريقة أمي في التربية دائما متباعدة. لكن هذا كان مختلفا. هذا كان أوروبا. لشهر كامل.
حاولت أن أتظاهر بأن الأمر تحد يمكنني الفوز به. برنامج بقاء واقعي تكون جائزته رضا أمي.
اليوم الأول قلت لنفسي وأنا أدخل المطبخ بخطوات ثابتة سأثبت أنني قادرة على تحمل هذا.
صففت ما تبقى من علب قليلة في الخزانة ذرة كريمية فاصوليا سوداء وعلبة تونة منبعجة. فتحت الثلاجة وكانت شبه فارغة بالفعل عبوة حليب تفوح منها رائحة مريبة مرطبان مخللات وعلبة طعام صيني متبق تحجر حتى صار كقطعة حجر.
دفعت خۏفي إلى أسفل ما استطعت وضغطته في قاع معدتي بإحكام. إن كانت أمي تظنني مستقلة فربما كان عليها أن ترى كيف يبدو ذلك حقا.
فمع
وعندما عادت أخيرا ما رأته داخل بيتنا جعلها تهمس لا لا هذا لا يمكن أن يكون يحدث.
لكنني أسبق الأحداث. هل تريد أن تعرف كيف تحول تركي بعشرين دولارا في سن الحادية عشرة إلى القرار الوحيد الذي جعل أمي ټندم على كل ما فعلته بي
ابق معي. فالاڼتقام ليس دائما صاخبا. أحيانا لا يكون سوى صوت قلم يخدش الورق.
ظهرت المشكلة الأولى بعد نحو عشر دقائق من ابتعاد سيارة الأجرة.
كانت أمي قد ألقت بطاقة ائتمان طوارئ لامعة على الطاولة كأن ذلك سيصلح كل شيء. للاحتياط قالت. لكن كان هناك قيد واحد.
لم تكن مفعلة. ولم أكن أعرف الرقم السري.
اكتشفت ذلك بالطريقة الصعبة وأنا أقف عند الباب والهاتف في يدي أحاول طلب بيتزا. شاهدت تطبيق التوصيل يرفض البطاقة مرارا وتكرارا. تم رفض العملية. رقم سري غير صالح.
وهكذا لم يبق سوى أنا وبطاقة مېتة وعشرون دولارا.
في اليومين الأولين حولت الأمر إلى لعبة. كنت أقطع الخبز إلى شرائح رقيقة جدا حتى يمكن رؤية الضوء من خلالها. وأفرد زبدة الفول السوداني بدقة جراح متأكدة أنها بالكاد تغطي السطح. قلت لنفسي إن الناجين الحقيقيين يجعلون الأشياء تدوم. بل مزحت في رأسي بأن هذه ستكون قصة جيدة يوما ما في سيرتي الذاتية.
بحلول اليوم الثالث لم يعد الأمر مضحكا.
بدت الخزانة كصورة قبل في إعلان عن الجوع. علبة حبوب فيها هواء أكثر من رقائق. ومرطبان المخللات الذي كنت أكرهه. قرقرت معدتي بصوت عال كفاية ليحرجني رغم أنه لم يكن هناك أحد ليسمعه.
حاولت تشتيت نفسي. شغلت التلفاز وتركت برامج عشوائية تعمل
الغرفة حتى لا أسمع صرير البيت. فتحت حاسوب أمي المحمول وحدقت في رسائل عملها الإلكترونية متراكمة كأنها أهم من أي شيء آخر في العالم.
في لحظة ما أمسكت بدفتري الحلزوني ذاك الذي على غلافه وحيد قرن وكتبت بأحرف كبيرة في أعلى الصفحة أدلة.
وتحتها كتبت بخربشات سريعة تركت وحدي في سن 11. 20 دولارا. لا خطة طعام. لا تواصل.
لم أكن أعرف بالضبط ماذا سأفعل بذلك لكن تدوينه حرك شيئا في داخلي. إن كانوا يظنونني كبيرة بما يكفي لأكون وحدي فأنا كبيرة بما يكفي لأتذكر كل شيء. ولأسجل كل شيء. ولأري أحدا يوما ما كيف اختاروا عطلة على حسابي.
أمسكت هاتفي وفتحت تطبيق الفيديو. ضغطت على تسجيل.
اليوم الثالث قلت للكاميرا بهدوء. بدا وجهي أصغر مما توقعت شاحبا ومنقبضا. ما زلت وحدي. البطاقة لا تعمل. أكلت آخر شيء صالح في الثلاجة أمس.
توقفت لحظة أبتلع الغصة في حلقي.
إذا كنت تشاهد هذا فهذا يعني أن أحدا سأل أخيرا عما حدث لي.
حفظت المقطع وأغلقت هاتفي وقلبي يخفق پعنف. جزء مني تمنى ألا يراه أحد أبدا. وجزء آخر أراد أن ينفجر ذلك الفيديو في وجه أمي حين تعود.
فكرت في أعز صديقاتي Emma وترددت فوق اسمها في جهات الاتصال. لو أرسلت لها رسالة لكان علي أن أعترف بأن أمي تركتني. وبأنني جائعة. وبأنني لست بخير.
بدلا من ذلك أرسلت رسالة عادية كيف كانت رحلتك
لا رد. ربما كانت قرب بحيرة تأكل البرغر مع عائلتها ولا تتحقق حتى من هاتفها. التوى معدتي حسدا.
بحلول اليوم الخامس صار الجوع كضباب حول عقلي. بدأت أشعر بالدوار إذا وقفت بسرعة. وجدت علبة حبوب شبه فارغة في مؤخرة الخزانة رقائق فاكهة يابسة فأكلتها جافة من الكيس محاولة أن أجعل كل
فتحت دفتري مجددا وأضفت سطرا آخر
اليوم الخامس لا اتصال من أمي بعد. ولا حتى رسالة.
ثم سطرا آخر
إذا اختفيت فسيثبت هذا أن الأمر لم يكن خطئي.
في تلك اللحظة تغير تفكيري. لم يعد الأمر مجرد البقاء حتى عودتها. صار يتعلق بما سيحدث لها عندما يدرك الناس أخيرا ما فعلته.
في اليوم السابع كان جسدي ضعيفا لكن ڠضبي كان أقوى. كان ېحترق في صدري كجمرة حارة تبقيني متحركة.
تقدمت إلى النافذة الأمامية وتطلعت إلى الشارع. أطفال يركبون الدراجات. كلب ينبح على شاحنة توصيل. زوجان يمران حاملين أكواب القهوة ويضحكان. حيوات طبيعية. آباء طبيعيون.
نظرت إلى مدخل سيارتنا الفارغ وهمست اخترت أوروبا بدلا مني. هل تعرفين كم سيكلفك ذلك
وكأن الكون كان يصغي رن جرس الباب.
تجمدت. كانت فتات الحبوب لا تزال على أصابعي. لم يكن أحد يرن جرس بابنا عادة. الأطفال الجيران يطرقون. والطرود تترك وتذهب.
رن الجرس مرة أخرى ثم تلاه ثلاث طرقات حادة.
خفق قلبي وأنا أتحرك نحو الباب. لوهلة فكرت في التظاهر بأنني لست في البيت. إن كان بائعا فسيرحل. لكن فكرة أخرى اخترقت خۏفي.
ماذا لو كان هذا هو الحدث ماذا لو كانت هذه اللحظة التي يراني فيها أحد أخيرا
بيد مرتجفة أمسكت بالمقبض. لو كنت في الحادية عشرة جائعا ووحيدا تماما هل كنت ستفتح الباب أم تواصل التظاهر بأن كل شيء بخير
فتحت الباب قليلا لأرى من هناك.
كان يقف على الشرفة رجل يرتدي سترة ريحية خضراء وعلى صدرها شعار مدرستي مطرزا. احتجت ثانية لأتعرف إليه من دون الصف خلفه.
مرحبا يا سيدني قال بلطف.
كان السيد Hughes المرشد المدرسي.
كنت أحاول التواصل مع والديك قال وهو يقطب جبينه. لم يجيبا. هل يمكنني
كان رد فعلي الأول أن
أكذب. أن