قصة جديدة

لمحة نيوز

بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم

شوية ملح للكاتبه نرمين عادل همام

كانت واقفة في قلب شغلها في المستشفى لما تليفونها رن.. الاسم اللي نور على الشاشة مكنش غريب، دي بنتها الوحيدة وحتة من قلبها.. بسمة. في ثانية، قلبها اتنفض قبل ما ترد؛ ده الإحساس اللي بييجي دايما قبل المصيبة بلحظة. أول ما فتحت الخط، سمعت صوت مرعوش، مكسور، والكلام طالع بالعافية وسط الشهقات: — "مـ.. ماما..."

كانت، نبرة عمرها ما سمعتها من بنتها قبل كده. خرجت تجري من الاجتماع، وقفت في طرقة المستشفى الطويلة والحيطان البيضاء حواليها حسيتها بتطبق على نفسها. حاولت تمسك أعصابها وتقول بصوت ثابت: — "في إيه يا بسمة؟ حصلك إيه يا بنتي؟ انطقي!"

الرد جه متقطع ومخلوق بالعياط: — "حمايا ضربني يا ماما.. عشان الأكل كان مالح! وطارق كان واقف.. شاف كل حاجة ومفتحش بقه بكلمة!"

في اللحظة دي، الزمن وقف. الدم اتجمد في عروقها، والدنيا كلها اتلخصت في كلمة واحدة: "ضربني". بسمة، بنتها اللي كبرتها يتيمة وشالت شيلتها لوحدها بعد ما أبوها مات وسابهم.. كانت هي العوض، ودلوقتي العوض بيتهان عشان شوية ملح!الكاتبة نرمين عادل همام

قالت بحزم وقوة هي نفسها استغربت جت منين: — "اقفلي على نفسك يا بسمة.. ادخلي أوضتك دلوقتي بالمفتاح. أنا جاية لك حالاً."

مستنتش رد. قلعت بالطو التمريض، لبست هدومها في ثانية، وخرجت من المستشفى من غير ما تنطق بكلمة لأي حد. الطريق كان قصير بشكل مرعب، أو يمكن هي اللي كانت طايرة بالعربية، مش شايفة إشارات، مش سامعة كلاكسات، مش حاسة غير بنار قايدة في جسمها ونازلة في رجليها على البنزين.الكاتبة نرمين عادل همام

هي

عارفة "يوسف"، حما بنتها.. راجل نرجسي، صوته دايما عالي، وإيده للأسف أسرع من ضميره. كانت بتشوفه بيعامل مراته "هدى" إزاي، بيكسرها بالكلمة قبل الصمت. شافت كل العلامات دي وطنتشت عشان متخربش على بنتها.. ودلوقتي بتقول لنفسها بخذلان: "أن السبب".

ركنت العربية أي ركنة قدام البيت. فتحت شنطة العربية وطلعت منها "حاجة" عمرها ما تخيلت إنها هتحتاجها عشانه. طلعت السلم بخطوات تقيلة، كل درجة بطلعة بوجع وغضب مكتوم من شهور. خبطت على الباب تلات خبطات.. خبطات ست مش ناوية ترجع غير وبنتها .الكاتبة نرمين عادل همام

فتح يوسف. أول ما عينه جت على اللي في إيدها، وشه اتقلب ألوان. الغرور اللي في عينيه اختفى وحل مكانه صفار وخوف. رجع لورا خطوة من غير ما يحس. مادتلوش ريقها، ولا قالت حتى سلام عليكم.. زقت الباب بكتفها ودخلت.

ريحة الملوخية كانت لسه مالية الجو، مختلطة بريحة بخور الظهر. هدى (أم طارق) كانت قاعدة في الركن، وشها باهت، ودموعها محبوسة في عينيها من سنين. بصت لها بصه سريعة، وبعدين ثبتت عينيها في عين يوسف وصرخت: — "بسمة فين؟" مردش، فلسه هتكررها: — "بـسـمـة فـيـن!" شاور بإيده اللي كانت بتترعش ناحية الطرقة.

راحت خبطت على باب الأوضة براحة: "بسمة.. افتحي يا حبيبتي، أنا ماما." الباب اتفتح ببطء.. وظهر وش بنتها. عينيها وارمة من العياط، وعلى خدها الشمال علامة صوابع حمراء واضحة.. "قلم". هنا الكيل طفح.، وبسمة كانت بتترعش زي العصفورة المبلولة: — "خلاص يا قلبي.. خلاص يا حبيبتي.. أنا جيت، ومحدش هيقدر يلمس شعرة منك تاني."الكاتبة نرمين عادل همام

جوه الأوضة، كان طارق قاعد على طرف السرير، موطي راسه في الأرض ومنطقش. مبصتلوش خالص، مكنش جه

دوره لسه. — "لمي هدومك يا بسمة.. إنتي ماشية معايا دلوقتي حالا." — "بس يا ماما.. الناس واللقم والشماتة؟" — "الناس مش أهم من كرامتك يا بنتي.. اللي يتكسر يتصلح، إلا الكرامة لو ضاعت ميرجعهاش مية راجل."

خرجوا للصالة. يوسف واقف مكانه زي الصنم. الصمت كان أتقل من أي خناقة. — "إنت ضربت بنتي؟" حاول يطنش ويعمل فيها رزين، فقالت تاني: — "ضربتها عشان ملوخية مالح؟" رد ببرود مستفز: "كانت قليلة الأدب ولازم تتربى."

ضحكت ضحكة مريرة: "والأدب بيتعلم بالضرب؟ ولا دي طريقتك مع الستات اللي متعرفش ترد عليك؟" رفعت إيدها شوية.. المسجل كان واضح في إيدها. — "كل كلمة قلتها وكل اللي حصل متسجل.. وصدقني أنا ست ممرضة وعارفة القانون كويس، ومعنديش حاجة أخسرها، فمتحاولش تغلط تاني."الكاتبة نرمين عادل همام

يوسف رجع لورا خايف من الفضيحة والمحاضر. خرجت بسمة بشنطتها الصغيرة، وماسكة في إيد أمها بجد. وقبل ما يقفلوا الباب، جه صوت "هدى" من وراهم مكسور ومخنوق: "أنا آسفة يا أختي.. سامحيني." مردتش عليها، هزت راسها بحزن ومشيت.

في العربية، بعد سكوت طويل، بسمة قالت بصوت واطي: "شكراً يا ماما." ضغطت على إيدها بقوة: "أنا أمك يا بسمة.. وده مش فضل، ده واجبي اللي اتأخرت فيه."

كانت عارفة إن دي مش النهاية، دي البداية بس. ليلتها، بسمة كانت منهارة، وهي بتقول لها: "أنتي في أمان دلوقتي، ومش هترجعي البيت ده تاني.. على الأقل مش قبل ما طارق يثبت لي إنه راجل ويستاهلك، وقبل ما أبوه يفهم إن اللي عمله ده مكانه التخشيبة."

بسمة سألتها بخوف: "طب وكلام الناس يا ماما؟" ردت بحزم: "الناس كده كده بياكلوا في فروة بعض.. عملتي صح أو غلط لسانهم مش بيقف. المهم إنك تباتي

وإنتي حاسة إنك إنسانة، مش جارية عند حد."الكاتبة نرمين عادل همام

فضلوا مع بعض طول اليوم، بسمة بكت لحد ما نامت. والساعة جت 9 بالليل، تليفون الأم رن.. كان طارق. بصت لبسمة، بسمة هزت راسها بـ "لأ، مترديش". بس الأم قررت ترد عشان تشوف آخره إيه. — "أيوة؟" قالتها بنبرة ناشفة. — "مساء الخير يا حماتي.. أنا طارق، كنت عاوز أطمن على بسمة." — "هي بخير.. بخير أكتر بكتير من وهي في بيتكم." — "أنا آسف على اللي حصل.. عارف إني غلطت، بس أرجوكِ خليني أكلمها." — "هي مش عايزة تتكلم.. بس لو حابب تشوفها، تيجى بكرة لوحدك، من غير أبوك.. وساعتها لكل مقام مقال."

تاني يوم، طارق جه فعلاً.. وشحوب وشه كان باين عليه الهم. دخل وشاف بسمة قاعدة بعيد، حاول يقرب منها بس هي صدته بنظرة عين. الأم وقفت وقالت بلهجة قاطعة: — "أنا مش هسمح لبسمة ترجع البيت ده من غير ضمانات حقيقية.. إن اللي حصل ده مش هيتكرر أبداً، وإن بنتي تعيش في كرامة."الكاتبة نرمين عادل همام

طارق بص في الأرض وقال: "أنا عارف.. وأنا آسف، مكنتش متوقع إن والدي هيعمل كده." بسمة رفعت راسها وبصت له بوجع: "مكنتش متوقع؟ ده أنا اتضربت قدام عينك يا طارق! وإنت واقف تتفرج كأنك غريب ومفتحتش بقك تدافع عني!" طارق رد بضعف: "كنت مصدوم.. خفت أدخل أزود المشكلة." الأم اتدخلت وصوتها زي الرصاص: "وأيه اللي كان ممكن يحصل أسوأ من إن أبوك يمد إيده على مراتك وأنت واقف سد حنك؟ بص يا طارق، إنت قدامك طريقين ملهومش تالت: يا تبقى راجل وتحمي مراتك، يا تخسرها للأبد."

طارق اتنهد بقلة حيلة: "أنا بحبها والله.. بس والدي طبعه صعب وماحدش في البيت بيقدر يقف قصاده." الأم ردت ببرود: "دي مش مشكلتنا إحنا.. دي مشكلتك

إنت.. إنت اللي لازم تسترجل وتلاقي حل." بسمة قالت بحزم: "أنا مش هرجع البيت ده تاني يا طارق،

 

تم نسخ الرابط