قصة جديدة
بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد على اله وصحبه وسلم
حسبه بيرما ل نرمين عادل همام
بعد عشر سنين جواز.. جوزي قرر نقسم كل حاجة بالنص.. بس نسي أهم حاجة.
عشر سنين. عشر سنين بصحى قبله بساعتين. عشر سنين برتب مواعيده، أكله، لبسه المكوي، حتى شنطة سفره. عشر سنين دايسة فرامل في طموحي وشغلي عشان هو "يكبر ويتقدم ويلمع".
وفي ليلة وأنا بحط العشا، قالها كدة عادي جداً.. كأنه بيطلب ملاحات الملح.
"بصي يا رضوى، من أول الشهر الجاي، هنقسم كل حاجة بيننا بالنص. أنا مش ناوي أصرف على واحدة واخدة البيت فندق وعايشة على الجاهز."
اتجمّدت والمعلقة في إيدي في الهوا. افتكرته بيهزر، أصل هشام دمه تقيل وساعات بيحب يغلظ. بس لأ.. مكنش بيهزر خالص.
قلت بذهول: "نعم؟ بتقول إيه يا هشام؟" ابتسم ابتسامة صفرا بايخة، وحط موبايلي على الترابيزة بهدوء.. كأنه متدرب على الكلمتين دول قدام مراية الحمام الصبح.
قال: "إحنا مش في عصر الحريم.. لو عايزة تعيشي في المستوى ده، لازم تشيلي معايا. خمسين خمسين.. فير أوي (Fair)."
بصيت حواليا بذهول. البيت اللي أنا منقية كل فتلة فيه. الستائر اللي أنا سهرت أخيطها بإيدي عشان نوفر. الترابيزة اللي اشتريناها سوا أيام ما كنا بنكح تراب وبندفع الأقساط بالعافية.
قلت بهدوء: "أنا بشيل يا هشام.. بشيل كتير أوي." ضحك ضحكة استهزاء وقال: "إنتي
الجملة دي وجعت أكتر من أي قلم على الوش. "إنتي مابتشتغليش."
كأن تربية العيال، وتنظيم ميزانية البيت اللي مخروم، ورعايتي لأمه وهي عيانة شهور، ومشيي جنبه في كل حفلات شغله عشان "منظره" قدام المدير.. كل ده ملوش تمن.
فكرته بوجع: "أنا سبت شغلي بطلب منك إنت.. عشان تروح وتيجي براحتك والبيت يفضل مفتوح." رد بسرعة وببرود: "أنا اقترحت وده كان الأصلح للأسرة وقتها.. ماتكبريش الموضوع بقا."
ماتكبريش الموضوع.
حسيت بحاجة جوايا بتترص في مكانها. مش بتتكسر.. لأ، دي بتثبت زي الحجر. فجأة فهمت حاجة كنت بهرب منها بقالي سنين. دي ما كانتش كلمة اتقالت بالصدفة ولا نرفزة. دي كانت خطوة "شطرنج" هو حاسبها بالمللي.
الأسبوع ده بدأ يتغير تماماً. يرجع متأخر. يبتسم وهو باصص في الموبايل. يهتم بريحته ولبسه زيادة عن اللزوم.
م اتكلمتش.. بس كنت شايفة كل حاجة بوضوح.
في ليلة، ساب اللابتوب مفتوح على المكتب ودخل ينام. ما كنتش بدوّر وراه.. بس نور الشاشة شدني في الضلمة. كان فاتح ملف "إكسل". اسمي في أول عمود: "الالتزامات اللي لازم تدفعها."
نزلت بعيني لتحت. إيجار تقديري للشقة. فواتير كهرباء وغاز ومية. تمن الأكل والمنظفات. المجموع؟ رقم مستحيل لواحدة بقالها عشر سنين بره سوق الشغل ومعندهاش مليم في جيبها.
وفي الآخر كاتب ملاحظة بالخط العريض: "لو مقدرتش
تخلي الشقة.
بصيت للشاشة ودموعي كانت بتموت في عيني قبل ما تنزل. وبعدين لفت نظري "تاب" تاني مفتوح في الملف: "الميزانية الجديدة."
فتحته.. وهنا كان القلم التاني.
اسم واحدة تانية خالص في أول الصفحة. مش اسمي. اسم ست ماعرفهاش. وجنب الاسم.. كاتب رقم شقة تانية في نفس العمارة اللي إحنا ساكنين فيها! خطة تانية.. حياة تانية.. وحسبة تانية خالص.
الهوا طار من صدري. الموضوع ما كانش فلوس ولا "خمسين خمسين". ده كان بيجهز ورقة "الاستغناء" عني.
تاني ليلة، قعد قدامي على السرير وقال بصوت ناشف زي الخشب: "أنا محتاج شريكة تشيل معايا.. مش عبء فوق كتافي."
بصيتله في عينه مباشرة وقلت: "ومن إمتى وأنا عبء يا هشام؟"
ما ردش على طول.. فرك إيده وقال: "أنا بس عايز ست تكون في مستوايا الفكري والمادي."
في مستوايا.
من عشر سنين، لما كان لسه بيبدأ وأنا كان مرتبي أعلى منه بكتير وبصرف عليه.. ما كانش "المستوى" ده مشكلة بالنسبة له.
بس ما جادلتش.. وم صوّتتش. هزيت راسي وقلت بمنتهى البرود: "تمام."
اتفاجئ ورفع حاجبه. قال بذهول: "تمام؟ بالسهولة دي؟" قلت: "آه.. تمام. من حقك تطلب ده.. ونقسم كل حاجة بيننا."
سكت لحظة وهو مش مصدق نفسه. "إنتي متأكدة يا رضوى؟"
"طبعاً يا هشام. بس نقسم كل حاجة بقى بجد وحق الله. البيت.. الاستثمارات.. الحسابات المشتركة.
وشه اتخطف.. حاجة بسيطة كدة، رعشة في جفنه، بس أنا شفتها وحسيتها. الخوف.
لأنه نسي حاجة مهمة أوي.. نسي إني أنا اللي كنت بمسك كل ورقة داخلة وخارجة من البيت ده بقالي عشر سنين. أنا "الدينامو" اللي عارفة مكان كل عقد، وكل تحويل بنكي، وكل إمضا اتكتبت في لحظة صفاء أو لحظة زنقة.
وفي حاجة تانية هو ميعرفهاش.. أو يمكن الذاكرة خانته فيها. ورقة مضى عليها من سنين.. أيام ما كان لسه "خاتم في صباعي" وبيقول إني "أحسن قرار خدته في حياتي". بند صغير كدة مكتوب بخط رفيع في "عقد اتفاق".. بس البند ده لو طبقناه وقسمنا كل حاجة بالنص.. هو مش هيطلع منها كسبان، ده هيطلع "على الحديدة".
الليلة دي هو نام مرتاح، فاكر إنه حشرني في زاوية وإن "الخمسين خمسين" هتخليني أمشي من سكات لأني "مبشتغلش". أما أنا.. م نمتش.
قمت في هدوء، رحت المكتب وفتحت الخزنة اللي هو ميعرفش إني حافظة رقمها السري، وطلعت ملف أزرق م فتحتهوش من سنين. فتحته بالراحة.. وقريت البند ده تاني.. كلمة كلمة.
ولأول مرة من عشر سنين.. ابتسمت بجد.
لأنه لو هو فاكر إنه هيقسم "فواتير الكهرباء والمية".. فهو على وشك إنه يقسم "ثروته" كلها.. أكتر بكتير مما يتخيل أو يطيق.
الصبح صحي بدري عن عادته.. كان باين عليه إنه مشتاق يبدأ "النظام الجديد"
دخل المطبخ لاقاني قاعدة بشرب قهوتي بمنتهى الهدوء.. البيت زي الفل، العيال في مدرستهم، وكل حاجة ماشية طبيعي.. طبيعي زيادة عن اللزوم لدرجة تريب.