قصة جديدة
بص في ساعته وقال بلهجة فيها حتة تعالي: "إحنا لازم نقعد ونتفق على التفاصيل يا رضوى.. عشان من أول الشهر كل واحد يبقى عارف اللي ليه واللي عليه." قلت له ببرود: "ما تقلقش.. أنا رتبت كل حاجة فعلاً."
قعد قدامي وهو متحفز.. كان فاكرني هتوسل؟ هعتذر؟ هقوله "بوس إيدك يا هشام خلينا زي ما إحنا وعشان خاطر العيال"؟ حطيت قدامه ظرف بني كبير.
قال باستغراب: "إيه ده؟" قلت: "نسخة من عقد الشركة اللي إنت مكبر فيها ومصدق نفسك."
سكت.. وملامحه اتشدت. فتحت الصفحة اللي كنت معلّمة فيها بقلم فسفوري فسفوري عشان يشوف كويس. "بص كدة يا هشام.. البند 12: في حالة الانفصال أو إعادة هيكلة الملكية، للطرف الضامن نسبة 50% من الأصول المسجلة وقت التأسيس وأي توسعات لاحقة."
رفع عينه ببطء والشرارة بدأت تظهر فيها: "إنتي فاهمة ده معناه إيه؟ إنتي عايزة تخربي الشركة؟" ابتسمت بانتصار: "آه فاهمة.. معناه إن لو هنقسم بالنص.. يبقى نقسم بجد، مش نقسم فواتير الكهرباء ونسيب الملايين."
سحب الورق من إيدي بسرعة وبدأ يقلب الصفحات بجنون.. إيده كانت بترتعش خفيف وهو بيقرأ قانوني صرف ملوش فيه مهرب. قلت له بهدوء يقتله: "فاكر يوم ما البنك قفل الباب في وشك ورفض يمولك؟ فاكر مين اللي حطت مدخراتها وشقاها كله ضمان؟ فاكر إمضتك هنا اللي كانت بتبوس إيدي عشان أمضيها؟"
ما ردش.. فكملت: "أنا صحيح سبت شغلي يا هشام.. بس ما سبتش عقلي، ولا نسيت أصولي."
البيت سكت لحظة، سكتتة ما قبل العاصفة. حاول يضحك ضحكة مهزوزة وقال: "إنتي بتهزري
قلت له وأنا قايمة بكل ثقة: "ولا أنا داخلة حرب.. إنت اللي بدأت، وإنت اللي حطيت القواعد.. أنا بس بلعب على طريقتك."
وقف فجأة وهو مش على بعضه: "يعني إنتي ناوية تاخدي نص كل حاجة بجد؟" بصيت حواليا ببرود وثبات: "زي ما إنت قلت بالظبط يا هشام.. خمسين خمسين." المرة دي م عرفش يبتسم، ولا حتى يداري صدمته.
في نفس الأسبوع، المحامي بتاعي كلمه. أنا م دخلتش معاه في مهاترات.. هو اللي اتفاجئ لما عرف إن فيه استشارة قانونية متسجلة باسمي وبقالي "شهرين" بجهز لها. آه.. أنا كنت شايفة العلامات من بدري، وشامة ريحة الغدر. بس كنت ساكتة، والسكوت ده هو اللي جابه الأرض. المحامي قالهالي وقالهاله بصراحة: "لو الموضوع وصل للمحاكم.. موقف مدام رضوى أقوى من الحديد." قوي. الكلمة دي وجعته وهزت ثقته في نفسه أكتر من أي حاجة تانية.
بعد يومين رجع البيت متأخر، وشه مجهد وعينه مش جاية في عيني خالص. قال وهو بيفك الكرافتة بتعب: "رضوى.. ممكن نتكلم بهدوء؟" قلت له: "إحنا بنتكلم بهدوء بقالنا أسبوع يا هشام، إيه الجديد؟" قعد على الكرسي وقال بصوت واطي ومكسور: "أنا غلطت في طريقة الكلام معاكي المرة اللي فاتت." رديت عليه بمنتهى القسوة الهادية: "غلطت في طريقة الكلام؟ ولا غلطت في 'الخطة' اللي كنت راسمها؟" سكت.. والسكوت ده كان اعتراف. كملت وأنا بضرب في مقتل: "والست التانية اللي في شقة 8؟ نظامها إيه في الخمسين خمسين؟"
وشه اصفرّ ووقع منه الكلام: "إنتي.. إنتي دخلتي على اللابتوب بتاعي؟!" قلت
الأسبوع اللي بعده حصل اللي هو عمره ما كان يتخيله في أحلامه. هو كان فاكر إني هخاف من مواجهة الدنيا لوحدي. فاكر إني مش هعرف أرجع لسوق الشغل بعد العشر سنين دول. فاكر إني هتمسك بالبيت وبالعيشة معاه عشان معنديش بديل ولا مليم. بس أنا م ضيعتش وقت.. قدمت في كذا شركة تقيلة. واتقبلت في أحسنهم. المدير القديم بتاعي أول ما سمع اسمي ورجوعي، قالي جملة ردت فيا الروح: "إحنا استنيناكي سنين يا بشمهندسة رضوى.. مكانك لسه فاضي."
سنين.. وأخيراً، رجعت أقف على رجلي بجد، ومن غير ما أحتاج لسند كداب.
رجعت البيت يوم الخميس، لقيت هشام قاعد في الصالة، وحواليه أكياس من "براندات" غالية.. هدايا كان جايبها "للي في شقة 8" بس المرة دي كانت محطوطة قدامه كأنها دليل إدانة.
بصلي وقال بصوت مهزوز: "رضوى، أنا لغيت فكرة الـ 50/50.. والبيت هيفضل زي ما هو، ومصروفك هيتضاعف." ضحكت ضحكة رنت في أركان الصالة: "فات المعاد يا هشام.. النظام الجديد بدأ فعلاً، بس بطريقتي أنا."
حطيت قدامه ظرف تاني، بس المرة دي كان فيه "قرار تمكين" و "دعوى تبديد أصول". وشه جاب ألوان: "إنتي بتعملي إيه؟ عايزة تخربي بيتنا؟" قلت له بمنتهى الثبات: "البيت إنت اللي خربته لما بدأت تحسب "لقمتي" في بيتك.
القاضية كانت هنا: "بص يا هشام.. المحامي بتاعي قدم كشف بحسابات الشركة، والمفاجأة إن "التوسعات" اللي حصلت السنتين اللي فاتوا كانت بضمان وديعتي الشخصية اللي إنت ناسيها. يعني نص الشركة قانوناً "بتاعي".. والشقة اللي في شقة 8؟ العقد بتاعها مسجل كـ "مكتب تابع للشركة".. يعني نصها "بتاعي" برضه."
وقع على الكرسي كأنه جبل وانهد. "عايزة إيه يا رضوى؟" قلت له: "عايزة حقي.. تخرج من الشركة، وتكتب لي نصيبك في الشقة دي للعيال، وتخرج بشنطة هدومك.. "خمسين خمسين" زي ما قلت.. إنت تاخد حريتك، وأنا آخد شقايا."
حاول يهدد، حاول يساوم، بس لما عرف إن ملف "شقة 8" بكل صوره وتفاصيله هيروح لمديره في الشغل (اللي هو حماه القديم وصاحب الفضل عليه)، استسلم تماماً.
بعد شهرين.. كنت واقفة في مكتب الجديد، براجع عقود لشركة كبيرة. الموبايل رن.. رسالة من البنك بـ "تحويل مبلغ كبير" - نصيبه اللي باعهولي عشان يهرب بجلده من الفضيحة.
هشام دلوقتي عايش في شقة إيجار قانون جديد، بيحاول يبدأ من الصفر في شركة صغيرة، "شقة 8" سابته أول ما عرفت إن "الحنفية اتقفلت" وإنه مابقاش "الحريف" اللي معاه الملايين.
أما أنا.. رجعت "رضوى" اللي كانت بتخاف عليها الشركات.. البيت بقى هادي، العيال فخورين بأمهم اللي رجعت تلمع تاني.. وأهم درس اتعلمته؟ إنك لما تقرري تشيلي حد على كتافك عشر سنين، لازم تتأكدي إنه مش هيحاسبك على "تمن الشيلة" في الآخر.
قفلت مكتبي، خدت مفاتيح عربيتي، ومشيت وأنا
نرمين عادل همام
تمت