امي رمتني بقلم الكاتبة نرمين عادل همام

لمحة نيوز

بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
امي رمتني بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
أمي هي اللي رمتني الرمية دي وأنا عندي 32 سنة.. اتجوزت مليونير أصم. اتعلمت لغة الإشارة، سيبت شغلي ومستقبلي، وبقيت حامل.. وفي ليلة، وأنا واقفة في مطبخ بيتنا في الشيخ زايد، جوزي الأصم بص لي وقال بصوت واضح وزي الطلقة أنا مش أصم يا مريم.. عمري ما كنت كدة!
كنت في الشهر السادس، واقفة قدام البوتاجاز وفي إيدي نوتة صغيرة بكتب فيها. دي كانت طريقتنا في الكلام طول الوقت؛ جمل مشخبطة، إشارات مهزوزة، وابتسامات بنرميها لبعض وإحنا قاعدين على السفرة. كان المفروض إن شريف صبري هو الرد المثالي على كل خناقة ومكالمة تليفون تزهق من أمي.
في سن ال 32، كنت أنا البنت اللي قطرها فات في عيلتنا. أختي الصغيرة عندها طفلين، وكل ولاد عمي اتجوزوا، وأنا لسه عايشة في شقة إيجار جديد ضيقة في المعادي، بشتغل ليل نهار كمهندسة معماري مبتدئة، وأمي مابتفصلش تنهيد في التليفون عن الستات اللي دخلوا في التلاتينات وكأننا حالة طوارئ لازم نخلص منها.
وفجأة، جابت لي اسم شريف وكأنها بتقدم لي طوق نجاة ده أسس شركة برمجيات كبيرة في القرية الذكية يا بنتي.. وسيم، وناجح، ومعاه فلوس.

. بس عمل حادثة بموتوسيكل وبقى مبيسمعش. أغلب الستات مش عايزين الشيلة دي.. قولت يمكن إنتي تكوني مختلفة.
كان لازم أفهم الفخ اللي في الجملة دي، بس للأسف، اللي سمعته هو فرصة. فرصة لراجل مش هيهمه إني كبرت، راجل هيقدر الصبر أكتر من الشياكة، راجل ممكن يشيل لي الجميل إني وافقت أدخل عالمه الهادي.
في أول عشا لينا في مطعم في الزمالك، كان بيدرس ملامحي بدقة وطلع نوتة صغيرة وكتب لي مامتك مابطلتش كلام عنك.. المهندسة الشاطرة.. العنيدة. ضحكت، واتكسفت، وحسيت براحة غريبة لأول مرة من سنين. كان كل اللي أمي وعدت بيه وأكتر ساعة غالية، عربية مرسيدس، وشركة برمجة الكل بيقول إنها هتكسر الدنيا. مكنش بيسمع كلمة من اللي بقولها، بس حسسني إني مفهومة أكتر من أي حد عرفته.
بعد الشغل، بقيت أروح دروس لغة إشارة بالليل. كنت بقف قدام مراية الحمام أدرب صوابعي لحد ما تتشنج عشان أتعلم أقول حب، بكرة، جميل.. كنت عايزة إيدي تقول اللي لساني خايف يقوله. طلب إيدي على البحر في الساحل وقت الغروب، كتب لي على الرمل بحروف ضخمة تتجوزيني يا مريم؟ رديت ب نعم بالإشارة وإحنا بنضحك. اتجوزنا في قاعة صغيرة، والمترجم واقف جنبنا. بصيت له بدموع وأنا بوعده إني هفضل جنبه في صمته، وأكون
الجسر اللي يوصله بالعالم اللي انقطع عنه.
بعد 4 شهور، كنت حامل. تعب الحمل، ولوحاتي الهندسية اللي بقت مركونة في ركن المكتب في بيتنا الفخم.. كنت سيبت كل حاجة. حماتي كانت بتطبطب على إيدي في عشا يوم الجمعة وتقول ببرود دلوقتي تقدري تركزي في اللي يهم بجد.. إنك تكوني زوجة وأم.. ده هو قدر الست.
في الشهر الخامس، وأنا خايفة وتعبانة من الوقفة في مواقع البناء، سيبت شغلي فعلاً. شريف عمل لي إشارة أنا هشيلنا.. إنتي شيلي ابننا. وصدقته.
لحد ما جت الليلة دي.. كنت في المطبخ بجهز العشا، وكتبت ورقة بسيطة وحطيتها قدامه تحب تشرب عصير فرش ولا شاي بعد الأكل؟ جه ورايا، قريب لدرجة إني حسيت بأنفاسه في رقبتي. فضلت ماسكة الورقة ومستنياه يقرأها زي العادة.. وفجأة سمعت صوته مريم. بصوت عالي.. صوته الحقيقي. الورقة وقعت من إيدي على الأرض. جوزي الأصم بيتكلم! قال بهدوء وثقة تامة أنا مش أصم.. وعمري ما كنت كدة.
أنا حامل، ومن غير شغل، وواقفة في بيت بفلوس تحويشتي اللي راحت.. اكتشفت إن الراجل اللي أمي زقتني عليه مكنش معجزة حزينة. دي كانت كدبة.. والأنيل إنها مكنتش كذبته لوحده. هو، وأمه، وعيلتي، حولوا حياتي كلها ل اختبار أنا ممضيتش عليه!
أنا دلوقتي عندي 68 سنة، واتعلمت
إن فيه حكايات لازم تتحكي من أولها، حتى لو البداية بتوجع.
ايام ما كان عندي 32 سنة. مهندسة معماري في مكتب في المعادي، عايشة في شقة إيجار يدوب مكفية مصاريفي، وبسمع أسطوانة أمي كل يوم جمعة بنت خالتك حامل في التاني.. بنت الجيران اتخطبت وهي عندها 26 سنة.. إنتي مستنية إيه؟ الرجالة مابيحبوش الست اللي دخلت في التلاتينات وعايزة تعمل فيها ميس إيجيبت!
كنت بضغط على سماعة التليفون وأنا باصة لزحمة الكورنيش وأقول لها يا ماما عندي تسليم مشروع، لازم أقفل. بس الحقيقة، كنت تعبانة.. تعبت من الرجوع لشقة فاضية، وتعبت من نظرات الشفقة في عزومات العيلة.
عشان كدة لما كلمتني عن شريف صبري، سمعت لها بتركيز ده ابن طنط درية صاحبتي.. وسيم، وعنده شركة برمجيات في القرية الذكية، وناجح جداً.. بس عمل حادثة بموتوسيكل من كذا سنة وفقد السمع تماماً. بنات كتير خافوا من الشيلة دي، بس قولت مريم بنتي عاقلة وهتقدر الراجل ده.
شوفت فيها فرصة لراجل مش هيحكم عليا بالسن، راجل هيكون ممتن لإني هتعلم لغة الإشارة علشانه. وفي أول عشا لينا في الزمالك، شريف كان بيبص لعينيا بتركيز رهيب، وطلع نوتة وكتب لي مامتك مابطلتش كلام عنك.. المهندسة العنيدة. ضحكت، وحسيت إن فيه حاجة جوايا ارتاحت.

بدأنا نخرج..
تم نسخ الرابط