امي رمتني بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
نتمشى على النيل، ونروح السينما، وكنت بنسى إنه مبيسمعش. اتعلمت لغة الإشارة بجد، وكنت بتمرن قدام المراية لحد ما صوابعي تتخشب عشان أقول له بحبك أو بكرة أحلى. درية مامته كانت بتبص لنا ودموعها في عينيها وتقول لي أنا كنت خايفة مابلاقيش حد يصونه.. الخطيبة اللي كانت معاه وقت الحادثة سابته وقالت مش هقدر أعيش مع واحد أصم.. تخيلي القسوة؟
بعد 8 شهور، شريف طلب إيدي على البحر في الساحل.. كتب لي بالرمل تتجوزيني يا مريم؟ وافقت وأنا طايرة. اتجوزنا في حفلة شيك جداً، والمترجم واقف جنبنا، ومضيت ب نعم بإيدي وأنا دموعي نازلة من الفرحة.
نقلنا لفيلا في الشيخ زايد. وبدأت الضغوط تزيد إني أسيب الشغل. درية كانت بتقول البيت محتاجك، والبيبي لما ييجي هيحتاج رعاية كاملة.. شريف مش محتاج مرتبك في حاجة. وفعلاً، لما بقيت حامل في الشهر الرابع، وتعب الحمل زاد، سيبت المكتب.. سيبت كيرييري ومستقبلي وبقيت ست بيت في سجن دهبي.
اللحظة اللي غيرت كل حاجة
وفي ليلة عادية جداً في مطبخنا، كنت واقفة بجهز العشا.. كنت حامل في السادس، وضهري واجعني، ورجلي ورمة. كتبت ورقة وحطيتها قدامه على الرخامة تحب تشرب عصير فرش ولا شاي بعد الأكل؟
شريف قرب مني.. حسيت بأنفاسه في رقبتي. كنت مستنية يلمس كتفي كالعادة عشان يلفني ليه ويجاوبني بالإشارة.. بس اللي حصل هز كياني. سمعت صوته.. صوت رجولي، عميق، وهادي جداً مريم.. أنا لازم أقولك حاجة.
الورقة وقعت من إيدي.. قلبي كان هيقف. لفيت له ببطء وأنا مش مصدقة وداني. شريف بص في عينيا بمنتهى البرود وقال أنا مش أصم.. وعمري ما كنت كدة.
وقفت مكاني مشلولة.. الدم هرب من وشي. بصيت له بذهول وقولت بصوت بيترعش إنت.. إنت بتتكلم؟ إنت بتسمعني؟ ضحك ضحكة خفيفة وجع وجع الدنيا، ورد بمنتهى الثبات بصراحة يا مريم.. مكنتش متخيل إنك هتصدقي الفيلم ده سنة ونص! بس كان لازم أضمن إن اللي هتتجوزني هتكون صبورة ومطيعة ومابتحبش الرغي الكتير.. والتمثيلية دي كانت أحسن مصفاة للستات اللي عرفتهم.
حسيت ب قلم نزل على وشي.. بس مش من إيده، من الحقيقة. يعني أمك.. وطنط درية.. وكل ده كان تمثيل؟ رد ببرود ماما كانت عارفة طبعاً.. وهي اللي اقترحت
بصيت لبطني.. أنا حامل في الشهر السادس من راجل مختل عمل فيا أغرب خدعة في التاريخ. أنا سيبت شغلي، وكياني، وصحابي، عشان أعيش في صمت هو كان بيضحك عليا فيه كل ليلة! إنت عارف إنت عملت فيا إيه؟ صرخت فيه والدموع مغرقة وشي. بص لي بجمود وقال عملت فيكي إيه؟ أنا عيشتك في فيلا، وجبت لك دهب، وهخلف منك طفل متأمن مستقبله.. كل اللي طلبتيه هو إنك تسكتي.. وإنتي نجحتي في الاختبار يا مريم.
في اللحظة دي عرفت إن الصمم الحقيقي مكنش في ودانه.. الصمم كان في قلبه هو، وفي غبائي أنا اللي صدقت إن الحب ممكن يتبني على شفقة أو تمثيلية. مسحت دموعي وبصيت له بنظرة مكنش يتوقعها.. نظرة المهندسة المعمارية اللي هتهد المعبد ده على اللي فيه.
شريف كان بيتكلم بسرعة، والكلام بيطلع منه وكأنه كان حابسه في حصالة بقاله سنين، وأنا واقفة بصه له برعب حقيقي.. الرعب من إن الراجل اللي شاركته سريري وحياتي طلع ممثلاتي شاطر.
قال لي وهو بيحاول يقرب ماما قالت لي لازم تلاقي حد يحبك لذاتك، مش عشان قرشك ولا مركزك.. حد يكون صبور، حنين، ويستحمل لما الدنيا تضيق.. فعملنا الخطة دي. قولت همثل إني أصم، وأي واحدة مش هتستحمل، أو تزهق من لغة الإشارة، تبقى مش هي دي اللي تلزمني.. لكن اللي هتتعلم لغتي وتصبر عليا، تبقى هي دي الست اللي بجد.
رديت عليه وأنا جسمي كله بيترعش ولساني تقيل ولقيتها يا شريف.. لقيت الست اللي كنت بتدور عليها.. مبروك عليك يا بطل، برافو بجد على الدور العظيم ده.
بص لي بلهفة وقال مريم، أنا.. قاطعته بصوت زي السكين أمك كانت عارفة؟ سكت ثانية.. بس السكتة دي كانت الرد الكافي. همست بكسرة يا نهار أسود.. يعني طنط درية كانت عارفة طول الوقت.. الدموع على العشا، والدعوات اللي كانت بتدعيها لي عشان قبلت بيك وإنت بظروفك.. كل ده كان تمثيل؟ كانت بتكذب عليا عشان تختبرني؟
قال لي ببرود مستفز كانت بتحاول تساعدني.. وأنا كنت بحاول أساعدك إنك تلاقي الراجل اللي يقدرك. صرخت فيه والوجع بياكل في قلبي بتساعدني؟ بأنك تضحك على واحدة
رد عليا وكأنه هو الضحية إنتي اللي اخترتي تتعلمي إشارة، وإنتي اللي اخترتي تسيبي شغلك.. أنا ما غصبتكيش! هنا صرخت بأعلى صوت عندي عشان كنت فاكرة جوزي أصم يا شريف! عملت كدة عشان كنت فاكرة إنك محتاجني، قولت أسنده، قولت أكون زوجة صالحة لراجل عنده ظروف خاصة.. بس إنت مطلعش عندك ظروف، إنت طلع عندك سيكوباتية إنت وأمك وما عندكوش ذرة دم!
شريف وشه اصفر وقالي ده مش عدل يا مريم. ضحكت بمرارة وقولت له عدل؟ بتتكلم عن العدل وإنت بقالك سنتين
بتكذب في وشي؟ وأنا حامل في ابنك في الشهر السادس؟ قال لي بضعف أنا مكنتش بكذب في وشك.. إنتي مكنتيش بتشوفي وشي وإحنا بنعمل إشارة.
بصيت له بقرف وقولت له كلمتين اطلع بره. مريم أرجوكي.. اطلع بره بيتي! ده بيتنا إحنا الاتنين. مش فارق معايا.. اطلع بره وروح بات عند أمك، بما إنكم شركاء في النصب والخداع.
وفعلاً مشي.. خد مفاتيحه وخرج، وسابني لوحدي في المطبخ، ريحة الفراخ المحروقة مالية المكان، وحياتي كلها بتتهد فوق دماغي.
اتصلت بأختي إيمان وأنا بنهج من العياط.. جات لي جري ولقيتني قاعدة على أرض المطبخ، بقطع كتب لغة الإشارة ورقة ورقة وأنا بقول لها مبيسمعش يا إيمان.. شريف بيسمع وبيرد وبيضحك عليا.. كل حاجة كانت كذب.
إيمان خدتني في حضنها وقالت لي لازم تكلمي ماما. طلبت أمي، ردت عليا بصوتها الفرفوش أيوة يا مريم، إيه الأخبار يا بنتي؟ جوزك شريف عامل إيه؟ قولت لها بجمود إنتي كنتِ عارفة؟ سكتت.. كررت سؤالي يا ماما.. كنتِ عارفة إن شريف بيسمع وبيمثل؟ قالت لي بهدوء يغيظ طنط درية كانت قالت لي إنهم عايزين يتأكدوا إن اللي شريف هيتجوزها مش طمعانة فيه.. وإنها هتستحمله في المرة قبل الحلوة.
قفلت السكة في وشها.. في وش أمي! رميت التليفون في الحيطة وقولت لإيمان كانت عارفة.. أمي كانت عارفة وباعتني ليهم عشان تخلص مني ومن همي وتجوز بنتها البايرة.
عشت أيام سودة.. شريف يبعت جوابات اعتذار، أحرقها.. درية تيجي تخبط على الباب، ما أفتحش.. كانت تقولي من ورا الباب يا مريم خليكي عاقلة، إنتي حامل في حفيدي،
روحت لدكتورة نفسية، حكيت لها كل حاجة.. سألتني سؤال واحد يا مريم، في الشهور اللي فاتت دي.. إنتي كنتِ بتحبي شريف؟ قولت لها طبعاً.. عشان كدة اتجوزته. قالت لي كنتِ بتحبيه عشان هو حنين وصبور.. ولا عشان هو أصم؟ سكتت.. قالت لي شريف اللي إنتي حبيتيه، كان شخصية هو راسمها.. كان ساكت فمبيقطعكيش في الكلام، كان هادي فبيخليكي تحسي إنه بيسمعك بجد.. بس الحقيقة إنك حبيتي خيال.. والسؤال دلوقتي هل تقدري تحبي الحقيقة؟
بعد شهور من التعب والمحايلة، شريف جالي الجلسة اللي بعدها.. كان وشه بهتان وضايع. قولت له قدام الدكتورة أنا مش مسامحاك، ولا عمري هنسى.. بس أنا حامل، والطفلة اللي جاية دي ذنبها إيه؟
شريف بص لي وقال أنا كنت جبان يا مريم.. كنت خايف أبان على حقيقتي فأتفرفض.. كنت خايف أكون ممل أو دمي تقيل فقولت السكوت هيخليني أبان عميق وشجاع.. أنا أسف.
ولدت نور.. وشريف كان واقف في ركن الأوضة بيعيط بجد المرة دي. لما شالها، حسيت إن فيه حاجة اتغيرت.. مريم القديمة ماتت، ومريم الجديدة بقت ست قوية وليها شروط. رجعت لبيتي في الشيخ زايد، بس بشروطي
شريف ينام في أوضة تانية لحد ما أقرر هعمل إيه.
رجوعي لشغلي في المكتب الهندسي شرط أساسي وهو اللي هيتكفل بكل مصاريف نور والناني.
علاقتي بأمه وأمي هتكون رسمية جداً بحدود واضحة.. مفيش تحكم تاني.
دلوقتي، بعد سنين.. إحنا لسه مع بعض. مش هقولك إن الحب رجع زي الأول، لسه فيه وجع بيجيلي كل ما أفتكر اللحظة دي في المطبخ.. بس بقينا نتكلم. بقينا نتخانق بصوت عالي، ونقعد نتناقش بالساعات، وبقينا بشر حقيقيين لبعض، مش تمثال ومهندسة.
اتعلمت إن الحب مش هو الفيري تيل اللي بنشوفه، الحب هو إنك تختار تكمل مع حد رغم إنك شوفت أوحش ما فيه.. وشريف شاف أوحش ما فيا عصبيتي وعنادي، وأنا شوفت أوحش ما فيه كدبه وجبنه.. وقررنا نربي نور وياسين في جو فيه صدق حتى لو الصدق ده بيوجع.
ودي الحياه ال اخترتها مع اولادي
بقلم