قصة جديدة
بس كل مرة كان بيقابل نفس الإجابة مني:
"اللي اتبنى على إني أستنى كتير… مش هيرجع يتصلّح بالكلام."
ومع الوقت…
بدأ يفهم.
إن المشكلة مش في قرار واحد اتاخد.
المشكلة في سنين كاملة اتسحبت فيها أنا من حياتي بهدوء… لحد ما قررت أرجع لنفسي.
وأنا؟
كنت بتقدم.
شغل جديد، مدينة جديدة، وشكل جديد لحياة ما فيهاش انتظار طويل ولا تبرير كتير.
بس فيها حاجة واحدة بس:بعد ما بدأ يستوعب إن الموضوع مش خلاف عادي، حاول يهدّي الأمور أكتر.
بعت رسالة أخيرة: "خلينا نتكلم بهدوء… أنا ممكن أغير أي حاجة إنتي عايزاها."
قرأت الرسالة وبقيت ساكتة شوية.
مش لأن كلامه أثر فيا… لكن لأنّي كنت فاكرة إني زمان كنت هستنى الجملة دي كتير.
دلوقتي؟ ما بقتش فارقة.
في اليوم اللي بعده، طلب يقابلني.
وافقت… مش عشان أرجع، لكن عشان أقفل الصفحة صح.
قابلته في كافيه هادي.
دخل وهو باين عليه التوتر، أول مرة أشوفه بالشكل ده.
قال بسرعة:
سكت لحظة، وبعدين بصيت له بهدوء.
"الموضوع مش غلطة تتصلّح."
استغرب: "يعني إيه؟"
قلت: "يعني أنا بطلت أكون النسخة اللي كانت مستنية حد يلاحظها."
هو سكت.
واضح إنه لأول مرة مش لاقي رد جاهز.
الراجل اللي كان دايمًا ماسك زمام كل حاجة… دلوقتي مش عارف يمسك الحوار.
كملت كلامي: "أنا ما سبتكش فجأة… أنا كنت بطلع من العلاقة دي واحدة واحدة من سنين، بس إنت ماخدتش بالك."
بصلي وقال: "أنا ماكنتش قاصد أجرحك."
ابتسمت ابتسامة صغيرة: "مش لازم تقصد عشان يحصل."
سكتنا شوية.
الهدوء كان تقيل… بس مريح.
مش شجار، مش دموع… بس نهاية واضحة.
بعد المقابلة، قمت ومشيت.
هو قعد مكانه.
مش بيحاول يوقفني… ولا بيحاول يقنعني أكتر.
لأنه بدأ يفهم إن القصة مش محتاجة مفاوضات.
وأنا خرجت من الكافيه، حسّيت بحاجة غريبة.
مش انتصار… ولا حزن.
بس خفة.
كأني كنت شايلة وزن سنين ونازل فجأة
مرت شهور بعدها.
حياتي بدأت تاخد شكل جديد.
شغل أكبر، قرارات أسرع، وناس جديدة حواليا بتشوفني أنا… مش دوري القديم.
هو كان بيعيش في هدوء مختلف.
بيحاول يعيد ترتيب حياته، بس المرة دي من غير وجودي في الصورة.
وفي يوم، وصلتني رسالة قصيرة منه:
"أنا فهمت متأخر… بس أتمنى تكوني بخير."
قريتها… وقفلتها من غير ما أرد.
مش غضب.
بس لأن الرد خلاص ما بقاش له مكان.
وأنا كنت قاعدة في شقتي الجديدة، أفتح الشباك على مدينة مختلفة، وببص قدامي.
لأول مرة…
ما كانش في انتظار.
ولا أسئلة.
بس حياة ماشية لقدّام… وأنا فيها، مش على طرفها.مرّت سنة كاملة.
سنة ما فيهاش رجوع لورا، ولا محاولات تفسير، ولا مكالمات تقلب الهدوء اللي اتبنى بصعوبة.
حياتي كانت بتتغير بهدوء… بس بثبات.
شغلي كبر، بقيت بشتغل على مشروع أكبر من أي حاجة بدأت فيها قبل كده، وبقيت أعرف أقول “لا” من غير تردد، و“أيوه” من غير خوف.
وأهم حاجة… بقيت أعرف أختار نفسي من غير ما أستأذن حد.
في يوم عادي جدًا، كنت ماشية في شارع جديد في المدينة.
مفيش حاجة مميزة… نفس الزحمة، نفس الصوت، نفس الحياة.
بس فجأة… وقفت.
مش لأنه ظهر، ولا لأنه ناداني.
لكن لأنّي حسّيت إني وصلت لمرحلة ما بقيتش محتاجة فيها أهرب من أي ذكرى.
هو كان بعيد… عايش حياته بهدوء مختلف.
اتغير، واتعلم، وحاول يعيد بناء نفسه.
بس الحقيقة اللي ما اتقالتش بيننا من زمان:
مش كل حاجة بتتصلّح لما تتكسر.
في آخر رسالة وصلتني منه قبلها بفترة طويلة، كان مكتوب: "أنا آسف."
ووقتها ما رديتش.
ولحد النهارده… ما فيش رد.
لأن النهاية مش دايمًا كلمة تتقال.
أحيانًا النهاية هي إنك ما ترجعش لنقطة كنت دفنت نفسك فيها.
قفلت باب الماضي من غير ضوضاء.
مش انتصار… ولا انتقام.
بس سلام.
وأول ما الشمس غابت في آخر اليوم ده، كنت قاعدة قدام النافذة في بيتي الجديد.
ببص للمدينة وهي بتنور
وحسّيت إنّي لأول مرة مش ببدأ من جديد.
أنا بس… مكملة من مكاني الصح.