قصة جديدة
هيخرج من بين ضلوعه.. مكنش مصدق اللي هيحصل..
كانت الممرات الطويلة في شركة المنشاوي تبدو لماجد وكأنها طريق إلى المشنقة. سار خلف رجل الأمن وقلبه يرتجف مع كل خطوة. لم يكن يفكر في الوظيفة التي ضاعت، ولا في المكافأة التي تبخرت، كان يفكر في صوفيا.. كيف ستنظر إليه حماته الآن؟ وكيف سيشرح للقاضي أنه وضع ابنته في كرتونة؟
وصل إلى الدور ال 32، الدور الذي يرتجف فيه أقوى المديرين. فتح الأمن باب المكتب الفخم، ورأى ماجد مشهداً لم يتخيله في أسوأ كوابيسه.. ولا في أجمل أحلامه.
فريدة المنشاوي، المرأة الحديدية التي تبلغ ثروتها المليارات، كانت تجلس على كرسيها الجلدي الواسع، لكنها لم تكن تنظر في أوراق الصفقات. كانت تضم صوفيا إلى صدرها بتمكن غريب، وتهز الكرسي ببطء وهي تغني لها لحناً قديماً خافتاً. صوفيا كانت هادئة تماماً، بل وكانت تمسك بأصبع فريدة الهانم بيديها الصغيرتين.
ماجد اندفع للداخل
فريدة المنشاوي رفعت رأسها ببطء، ونظرت إليه بنظرة حادة لكنها غامضة، ثم أشارت للأمن بالخروج وإغلاق الباب. ساد صمت رهيب، لم يقطعه إلا صوت أنفاس صوفيا المنتظمة.
قالت فريدة بصوت رخيم وهادئ أنت عارف يا ماجد إن اللي عملته ده جناية؟ إنك تعرض حياة طفلة للخطر في بدروم الشركة؟
ماجد بكى بحرقة عارف يا هانم.. بس حماتها عايزة تاخدها مني عشان أنا فقير.. الحضانة طلبت مبلغ مش معايا، والست اللي بترعاها سافرت.. مكنتش عايز أسيبها لوحدها في الأوضة، قولت تكون جنبي وأنا شغال، أسمع صوتها وأطمن عليها.
فريدة قامت من مكانها وهي لا تزال تحمل البنت بحرص، ووقفت أمام النافذة الزجاجية الكبيرة التي تطل على القاهرة
التفتت إليه والدموع تلمع في عينيها لأول مرة بس الفرق إن ابني مات.. المخزن ولع وهو جوه ومقدرتش أنقذه. من يومها وأنا قلبي حجر، جمعت فلوس وبنيت حيطان، بس عمري ما نسيت ريحة الكرتونة اللي كان فيها حتة مني.
ماجد ذهل من اعترافها. المليارديرة القاسية كانت تخفي وراء برودها جرحاً لا يلتئم.
فريدة كملت وهي بتمسح على راس صوفيا لما نزلت البدروم وسمعت صوت عياطها، شميت نفس الريحة.. ريحة الوجع والقلة. البنت دي مش هترجع الكرتونة تاني يا ماجد.
ماجد وقف وهو بيترعش يعني إيه يا هانم؟ هتسلميها لحماتي؟
فريدة ضحكت ضحكة مريرة حماتك؟ اللي بتهددك بالفلوس؟ أنا هخليها تعرف مقامها كويس. من اللحظة دي، صوفيا هي ابنة مجموعة
ماجد مكنش مصدق ودانه، نزل على ركبه يشكر ربنا وهو بيبكي من الفرحة. فريدة قربت منه وسلمته البنت وقالت له بلهجة آمرة خد بنتك يا ماجد.. وروح ادفع مبلغ الحضانة لحماتك وقول لها إن حفيدتها دلوقتي ضهرها فريدة المنشاوي.. واللي يفكر يقرب من صوفيا، كأنه بيعلن الحرب عليا أنا شخصياً.
خرج ماجد من المكتب وهو شايل بنته على كتفه، مش تحت الجاكيت. مشي قدام الموظفين كلهم وهو رافع راسه، والكل بيبص له بذهول. في اليوم ده، الكرتونة الضلمة كانت السبب في إن صوفيا تلاقي جدة تانية بقلب دهب، وماجد عرف إن ربنا لما بيقفل باب، بيفتح أبواب رزق مكنتش تخطر على البال.
تمت.