قصة جديدة
وقف، وسحب مدحت من قفاه كأنه شوال فاضي ملوش وزن. كل الجبروت اللي كان عند مدحت اختفى.. وشه قلب رمادي من الرعب وبص لزين وقال بصوت مهزوز إنت مين؟ إنت مين يا جدع إنت؟
المعلم زين ابتسم لأول مرة.. بس مكنتش ابتسامة ودودة خالص، كانت ابتسامة مرعبة.
مدحت فتح بقه عشان يتكلم، بس مفيش ولا كلمة طلعت.. وفجأة، الوحش اللي فاتن كانت بتترعب منه طول الشهور اللي فاتت، اتحول لراجل صغير عرقان، ريحته وحشة، وركبه بتخبط في بعضها. زين زقه ناحية الباب وقال على بره. مدحت اتكعبل وهو بيقول بصوت مهزوز اسمع يا جدع إنت.. دي مراتي والموضوع بيني وبينها. ملامح زين اتغيرت وبقت قاسية زي الحجر لأ.. الموضوع كان بينك وبينها لما كان عندك فرصة تحبها وتصونها.. بس إنت خليته موضوع يخصنا كلنا لما فكرت تكسرها وتدوس عليها.
مدحت بص ل فاتن بصه أخيرة.. وفي اللحظة دي فاتن شافت في عينيه وعد غل، إن الموضوع لسه مخلصش.. وزين كمان شاف النظرة دي، فوقف بينهم وحجبه عنها تماماً. النظرة دي اختفت فوراً من عين مدحت لما لقى نفسه في مواجهة زين. بره، من ورا إزاز السوبر ماركت، فاتن شافت المعلم زين وهو واقف بيكلمه في الباركينج تحت نور العمود.. مكنتش سامعة بيقول إيه، بس شافت جسم مدحت بينكمش، وكتافه بتنزل للأرض، وبدأ يهز راسه بسرعة وبخوف. واحد من رجالة زين فتح باب عربية مدحت النص نقل المتبهدلة وشاور له يركب. مدحت مشي.. من غير ولا تهديد، من غير ما يرزع الباب، من غير حتى ما يجعجع بصوته.. مشي كأنه شاف قبره محفور قدامه وعليه اسمه.
لما زين رجع المحل، مقربش منها أوي.. وده كان تصرف حكيم منه عشان ميخوفهاش. وقف ورا
الكلمة كانت دقيقة لدرجة إن دموع فاتن نزلت غصب عنها. زين طلع من جيبه كارت أبيض.. مكنش عليه أي شعار ولا عنوان، مجرد رقم تليفون محفور باللون الأسود. حطه بهدوء على الكاونتر وقال تتصلي بالرقم ده في أي وقت.. وهيرد عليكي. فاتن بصت للكارت بحيرة أنا حتى معرفش اسمك. اسمي زين. زين إيه؟
بص لها بصه قوية.. وسواق النقل اللي كان واقف وراهم همس بصدمة يا نهار أبيض.. ده المعلم زين القناوي! زين مابعدش نظره عن فاتن وقال القناوي.
الاسم ده كانت تعرفه كويس.. الكل في المنطقة يعرفوه حتى لو ادّعوا العكس. اسم القناوي معناه الهيبة، والكلمة اللي مابتنزلش الأرض. فاتن ضمت إيدها على بطنها وقالت بخوف إنت.. أنا مش الشخص اللي تخافي منه. ده مش رد على سؤالي. فعلاً.. مش رد. لسبب ما، صراحته دي طمنتها أكتر من أي كذبة.
واحد من رجالته لم قطع الموبايل المكسور وحطها في كيس، والتاني حاسب للراجل العجوز على اللبن وخرج الزبائن بكل ذوق. زين بص لكاميرا المراقبة وقال ل فاتن دي شغالة؟ فاتن هزت راسها أيوه، وصاحب المحل بيحتفظ بالتسجيلات. تمام. ليه؟ عشان بكرة لما الخوف يحاول يقنعك إن اللي حصل ده مكنش حقيقي، التسجيلات دي هي اللي هترد عليكي. فاتن خدت نفس طويل ومرعش.. عمرها ما شافت حد بيتكلم عن الخوف كأنه حاجة غريبة عنها، حاجة ينفع نتخانق معاها ومتمتلكناش.
زين لف عشان يمشي، فنادت عليه استنى! وقف مكانه فكملت إنت ساعدتني ليه؟ ملامح زين اتغيرت
عدى يومين ومفيش أي حاجة حصلت.. وده كان أصعب جزء. مدحت مرجعش البيت.. ولا اتصل.. ولا خبط على الباب وهو سكران يطلب سماح. مبعتش ورد، ولا حتى بعت تهديدات مع صحابه. الهدوء ده كان المفروض يبقى راحة.. بس فاتن كانت بتترعب من أي صوت. صوت كلب الجيران وهو بيهوهو.. عربية بتهدي قدام البيت.. خبط في المواسير. عاشت كتير في عاصفة مدحت لدرجة إن السلام بقى بالنسبة لها فخ مستني يقع عليها.
في اليوم التالت، راحت لدكتورة نسا في التجمع وكدبت على الممرضة وقعت على إيدي لما شافت الكدمات. الممرضة بصت لها بصمت طويل.. وبعدين قفلت الباب بهدوء وسألتها إنتي حاسة بأمان في بيتك؟ فاتن كانت هتقول أيوه زي ما اتعودت.. بس ابنها خبط في بطنها فجأة، فقالت بهمس لأ. الممرضة مكنتش بتمثل، كانت حذرة جداً وهي بتحميها. ولما فاتن خرجت، كان معاها قايمة بأماكن حماية الستات، وأول تقرير طبي حقيقي عن حالتها.
وكان معاها كمان كارت زين القناوي. مكلمتوش.. مش عشان مكنتش فاكرة إنه هيرد، بالعكس.. عشان كانت متأكدة إنه هيرد فعلاً، وده اللي كان مخوفها.
بالليل رجعت الشغل عشان قسط الشقة والعيشة ال مابترحمش.
صاحب المحل، الأستاذ منصور، كان واقف مستنيها وهو بيلعب في دبلته بقلق فاتن.. بخصوص اللي حصل أول إمبارح.. فاتن قلبها انقبض وقالت في سرها أكيد هيطردني أو هيقولي بلاش مشاكل. بس الأستاذ منصور كان باين
شفت طريقته معاكي قبل كدة وقلت ماليش دعوة.. بس مراتي لما شافت التسجيلات قالت لي لو سبت البنت دي واقفة لوحدها تاني ماترجعش البيت!
فاتن كانت عايزة تضحك من كتر ما هي متأثرة. منصور طلع لها علبة موبايل جديد ده موبايل بسيط كدة، حطيت لك عليه رقمي ورقم مراتي، ولو احتجتي أي حاجة استعمليه فوراً. للمرة التانية في أيام قليلة، اللطف خلى فاتن عايزة تقع على ركبها من الفرحة شكراً يا أستاذ منصور.
بره، كان فيه عربية سودة واقفة بعيد.. مش تحت النور المرة دي، كانت متدارية. فاتن عملت نفسها مش شايفاها.. بس كانت عارفة إنها هناك.
في نفس الوقت، مدحت كان بيكتشف إن كل الأبواب اتقفلت في وشه. صاحب ورشة العربيات طرده فجأة من غير سبب واضح إنت جبت لي وجع دماغ لورشتي.. لم عدتك وامشي. مدحت وجع دماغ إيه؟ بس صاحب الورشة مابصش في عينه حتى. بعدها، حاول يشتري سجائر بالفيزا، الفيزا اترفضت. حتى صحابه اللي بيقعد معاهم مابقولش بيردوا على تليفوناته. واحد منهم رد عليه وقال له بجفاء إنت لفت نظر ناس غلط ليك يا مدحت.. ابعد عننا. مدحت بضحكة صفراء ناس مين؟ صمت.. وبعدين إنت عارف كويس ناس مين.
على نص الليل، مدحت كان بدأ يحس بالرعب.. وبالليل غضبه خلاه يغلط غلطة تانية. راح الشقة.. مالقاش فاتن. هدومها مكنتش موجودة.. مش كلها، بس الأجزاء المهمة. صورة السونار اللي كانت معلقاها مكنتش موجودة. مدحت كسر الأدراج، وقلب الغسيل، وخبط الباب برجله لحد ما عمل فيه خرم. وبعدين شاف ورقة على تربيزة المطبخ أنا في مكان أمان.. ماتحاولش توصل لي.
مفيش تبرير.. مفيش