قصة جديدة

لمحة نيوز


نرفزه أكتر من أي حاجة. رما إزازة مية في الحيطة وزعق في الشقة الفاضية فاكرة نفسك بقيتي في أمان؟ فاكرة إن الراجل العجوز ده هينقذك مني؟
صوت من وراه قال له لأ. مدحت لف برعب.. لقى المعلم زين واقف في نص الصالة، لابس بالطو شيك وجوانتي أسود، ووراه نفس الرجلين بتوعه، ساكتين زي القبور. مدحت رجع لورا لحد التربيزة إنت دخلت هنا إزاي؟ زين بص للشقة.. للخرم اللي في الباب.. للإزاز المكسور.. للحيطة المخبوطة بالقبضة.. وقال ببرود سؤالي أنا.. هي الغرفة دي سامحتك كام مرة على اللي بتعمله؟ مدحت بجنان إنت ماتعرفش حاجة عن حياتي مع مراتي! أنا عارف اللي يكفي. إنت خدت مراتي مني! نظرة زين بقت حادة جداً لأ.. هي اللي سابتك.
مدحت هجم فجأة.. مش على زين، هجم على التربيزة عشان ياخد نسخة مفاتيح فاتن الاحتياطية. بس واحد من رجالة زين مسكه قبل ما يوصل، ومدحت وقع على الأرض وهو بينهج، وخدّه اتغرس في السجادة المتبهدلة اللي فاتن كانت بتقعد عليها تنضف دمها قبل ما صاحب البيت يجي يفتش. زين مال عليه، وفي اللحظة دي مكنش فيه صوت غير نهجان مدحت المرعوب أنا حذرتك يا مدحت. أنا ملمستهاش! المرة دي بس.
عين مدحت وسعت من الخوف إنت عايز مني إيه؟
المعلم زين طلع من جيب البالطو كذا ورقة وحطهم قدام عين مدحت وهو لسه متثبت في الأرض. صور مطبوعة.. إيد فاتن المحمرة والمكدمة.. الموبايل اللي اتدغدغ.. تقرير الطبيبة بتاعة التجمع.. ولقطات واضحة وصريحة من كاميرات السوبر ماركت. مدحت بص للصور والرعب بدأ ياكل قلبه إنت مِش من حقك.. زين قاطعه بصوت هادي ومرعب أنا

حقي أعمل أي حاجة.. الصور دي هتروح لمحاميها.. والتقرير هيروح للمحكمة.. وديونك للناس اللي نصبت عليهم هتروح لأصحابها.. والمعدات اللي سرقتها من الورشة البوليس هيعرف مكانها.. حتى رسايل التهديد اللي كنت بتبعتها، وصلت للي لازم يسمعها.
مدحت بلع ريقه بصعوبة، وزين قرب منه أكتر إنت كنت فاكر إنك فتوة عشان كنت بتستقوي على واحدة غلبانة وصغيرة.. بس حساباتك طلعت غلط. مدحت بص لرجالة زين وقال بيأس هتعملوا فيا إيه؟ زين ملامحه متهزتش اللي المفروض أعمله، واللي هعمله فعلاً، حاجتين مختلفين.. اعتبر اللي هيحصل ده رحمة مني. لأول مرة مدحت بدأ يعيط.. مكنش عياط ندم، الأشكال اللي زي مدحت مابيعرفوش الندم.. كان بيعيط عشان العواقب أخيراً عرفت عنوان بيته. مدحت بهمس أبوس إيدك.. أنا هسيب المنطقة وهغور. زين بابتسامة خفيفة إنت هتسلم نفسك عشان محضر تبديد و ضرب مستنيينك في القسم.. وأنا عارف كل حاجة عن تاريخك الوسخ.
زين قام وقف وعدّل البالطو بتاعه حاجة أخيرة.. فاتن هترفع قضية خلع.. إياك تعترض.. وإياك تطلب حضانة العيال عشان تذلها.. ولا تبعت أمك، ولا صحابك، ولا قرايبك يكلموها.. إنت هتختفي من حياتها بالذوق أو بالقانون.. وأنا بفضل القانون. مدحت بص له من الأرض بغل ولو ما عملتش كدة؟ الجو في الأوضة بقى تَلج.. زين قفل زراير البالطو وقال وقتها هتعرف ليه كل اللي فكروا يقفوا قدام زين القناوي مابقاش ليهم أثر على الأرض.
في الليلة دي، فاتن كانت قاعدة في شقة صغيرة فوق مخبز في منطقة هادية في أكتوبر.. شقة نضيفة، وقفلها حديد، وشباكها بيطل على شارع
مليان عائلات ماشية بشنط الخضار وشباب بيضحكوا. حياة طبيعية.. حاجة مكنتش تحلم بيها. موبايلها الجديد رن.. رسالة من رقم مجهول إنتي في أمان الليلة دي. فاتن كانت عارفة مين اللي باعت.. ردت عليه وسألت عملت فيه إيه؟ الرد جه فوراً أقل من اللي يستاهله.. وأكتر بكتير من اللي كان يتوقعه. فاتن غمضت عينيها وخدت أول نفس طويل ومرتاح من شهور.
مر أسبوع.. واتنين.. مدحت سلم نفسه بعد ما ناس من اللي ليهم فلوس عنده شجعوه بزيادة إنه يروح القسم أحسن له. البلاغات كانت حقيقية، والضرب كان موثق، والكاميرات مابتكدبش. فاتن خدت حكم التمكين و الخلع.. وقفت في حمام المحكمة وعيطت، مش عشان زعلانة، بس عشان الورقة اللي في إيدها كانت بتقول لكل الدنيا محدش من حقه يأذيكي تاني.
المعلم زين كان مستنيها بره المحكمة.. مش قدام الباب، كان واقف بعيد عند عربيته السودة. فاتن راحت له قبل ما المحامية تمنعها. زين مفروض ماتبعديش عن المحامية بتاعتك. فاتن بابتسامة وإنت مفروض ماتظهرش زي أبطال السينما كدة في كل مرة. زين ضحك ضحكة خفيفة قالوا عني أوحش من كدة بكتير. فاتن رفعت ورقة المحكمة أنا خدت حقي. زين بص للورقة وبعدين لوشها مبروك.
فاتن سكتت لحظة وقالت أنا متشكرة.. بس لازم أسألك سؤال.. أنا في أمان عشان القانون جاب لي حقي؟ ولا عشان الناس بتخاف منك؟ زين بص بعيد وقال بصراحة عالمي له قواعد يا فاتن.. مش قواعد مثالية، بس قواعد مابتتكسرش.. وجع الستات والأطفال خط أحمر عندي. فاتن إنت متعرفنيش أصلاً. زين عارف عنك اللي يكفي. فاتن لأ.. إنت تعرف اللي حصل لي، بس
ماتعرفش أنا مين.. أنا بحب اللون الأصفر.. وبكره القهوة السادة.. وكان نفسي أبقى ممرضة.. وبحب أغاني فيروز وبصوت عالي وأنا بنضف.. أنا مِش مجرد ست غلبانة إنت أنقذتها.
زين سمع كل كلمة باهتمام وهز راسه عندك حق. وهو بيفتح باب العربية، بص لها وقال على فكرة.. أنا كمان بكره القهوة السادة. فاتن ضحكت.. ضحكة حقيقية وطالعة من القلب لأول مرة.
بعد كذا شهر.. وفي ليلة شتا بتمطر.. فاتن ولدت بنتها ليلى. المعلم زين كان واقف في الطرقة، قلقان كأنه هو اللي هيولد. ولما الممرضة خرجت قالت مبروك يا أستاذ، المدام جابت بنوتة زي القمر. زين دخل وشاف ليلى في حضن فاتن.. مشهد يخلي الحجر يلين. فاتن بصت لبنتها وقالت نورتي الدنيا يا ليلى.. أنا أمك، ومش هسمح لأي حد في الدنيا يخليكي تخافي.
عدى سنة.. فاتن دلوقتي بقت مساعدة مدير في السوبر ماركت.. وبقت هي اللي بتساعد الستات اللي بيتعرضوا للي هي شافته. فتحت دار صغيرة سمتها بيت ليلى عشان تستقبل الستات اللي مالهمش مأوى.. المحامية ال ساعدتها في الورق، والأستاذ منصور صاحب المحل ساعد في التجهيزات.. والمعلم زين دفع تمن المكان وتظاهر إنه مجرد وسيط.
في يوم الافتتاح، فاتن وقفت وقالت خطاب هز قلب الكل المكان ده موجود عشان الهروب مِش مجرد لحظة شجاعة.. ده مئات المرات اللي بنقول فيها لأ وإحنا بنترعش.. ده لما تاخدي شنطتك وتمشي وتعرفي إن الأمان مش جميلة من حد، ده حقك الطبيعي.
فاتن  مِش بس هربت من جوزها الظالم.. هي بنت حياة جديدة.. حياة مفيش فيها مكان للخوف.. حياة ريحتها حرية و كرامة.
بقلم نرمين
عادل همام
تمت

 

تم نسخ الرابط