قصة جديدة
أهل جوز أختي سابوها في وسط الطريق وهي حامل.. بس مكانوش يعرفوا هما اللعب مع مين..
سابوا أختي الحامل في وسط طريق جبلي ضلمة وكُحل، وقالوا إيه؟ بنهزر!
على ما وصلتلها، كان الدم من كتر الساقعة جمد في ركب بنطلونها.
كانوا فاكرين إن فلوسهم هتدفن اللي عملوه، بس مكانش عندهم فكرة هما صحّوا أنهي عيلة عليهم.
أنا اسمي نادين كامل، قضيت معظم حياتي الكبيرة وأنا بتعلم إزاي الناس اللي مفكرة نفسها واصلة بتداري قذارتها ورا بيبان بيوتهم الشيك الشاهقة. عندي أربعة وتلاتين سنة، وشغالة مراجع جنائي في الحسابات، وده معناه إني مقضياهاش خناق وزعيق في الرايحة والجاية.. أنا بقعد وسط الأرقام لحد ما تنطق وتعترف. أنا عارفة النصب بيتنفس إزاي جوة جداول البيانات، وعارفة الغرور بيبقى صوته عامل إزاي في اجتماعات مجالس الإدارات. وعارفة بالذات نوع السكوت اللي بينزل على قاعة المؤتمرات لما راجل لابس بدلة متفصلة على الشعرة يكتشف إن الست اللي قاعدة قصاده لقطت الكدبة اللي كان فاكر إنه دافنها ورا تلت شركات وهمية.
بس مفيش أي حاجة في شغلي كله جهزتني للصوت اللي سمعته الساعة اتنين وسبع دقايق الفجر في ليلة من ليالي فبراير التلج، صوت جايلي عبر التليفون وصوت هوا الجبل والريح بيقطعوا فيه.
نادين.. كريمة همست بالاسم.
مقلتوش عادي، مندهتش.
كنت قاعدة على مكتبي في شقتي في القاهرة، محاوطاني كشوفات البنوك، وجداول القروض، ومج شاي بلبن نص فاضي سقع من ساعة. المطر كان بيخبط على الشبابيك زي الخناجر، والبلد تحت مني شبه نايمة، العمارات منورة خفيف من ورا الضباب، والشوارع بتلمع وسودة تحت أضواء إشارات المرور. لما اسم كريمة ظهر على شاشة المليفون، جسمي حس بالخطر قبل عقلي ما يفكر.
كريمة كانت في الشهر السابع. ومكنتش بتكلمني بعد نص الليل إلا لو في مصيبة حصلت.
رديت بسرعة لدرجة إن صباعي فلت من على الشاشة مرتين.
في إيه؟ إيه اللي حصل؟
لثانية كاملة، مسمعتش غير صوت الهوا.. صوت ريح قاسي ويخوف. بعدين سمعت نفسها، متقطع وضيق، كأن كل نفس بتسحبه بتجر معاه زجاج مكسور.
أنا سقعانة.. قالتها وسنانها بتخبط. نادين، أنا سقعانة أوي.
وقفت بسرعة لدرجة إن الكرسي بتاعي هبد في الحيطة اللي ورايا.
أنتي فين؟
مش عارفة.. بنزينة. مقفولة. طريق الجلالة تقريباً. في يافطة.. بس مفيش ولا لفة نور.
دمي نشف في عروقي.
في لحظات الرعب بتدب في الواحد زي النار، بس أنا الرعب عندي منزلش كدة.. أنا جمدني، نزل جوايا ساقع وحاد، واستقر ورا ضلوعي.
كريمة، قلتلها وصوتي ثابت ومفهوش هزة، اسمعيني كويس.. أنتي مجروحة؟
وقعت.. كلامها كان بيتقطع من كتر الرعشة. ركبي.. وبطني بتوجعني أوي.
كنت خلاص بتحرك. الجاكيت. المفاتيح. البوت. كاشف النور. شاحن الموبايل. وبطانية الطوارئ اللي في دولاب الممر. مكنتش فاكرة أنا عديت الشقة إزاي، كل اللي فكراه هبد جزمتي على الأرض وباب الأسانسير اللي كان بيفتح ببطء يزهق.
خليكي معايا على الخط، قلتلها. إياكي تقفلي. حطي التليفون على صدرك لو مش قادرة تمسكيه. خليني سامعة نفسك.
أنا خايفة.
عارفة.
هما سابوني.
الجملة دي خلتني أقف مكاني في جراج العربيات وإيدي على باب العربية الجيب.
مين دول؟
سكتت شوية.. مفيش غير صوت الهوا.. وشهقة عياط ضعيفة.
بهيرة هانم وتهاني.
لثانية، حسيت الجراج الخرساني كله بيلف بيا.
بهيرة كانت حماة كريمة، وتهاني كانت أخت جوزها. الستات اللي يلبسوا ألماظ في الخروج ويدسو السم في الأكل. الستات اللي يبتسموا بسنانهم كلها، وقلوبهم مفيهاش ريحة الرحمة. الستات اللي قضوا سنتين كاملين يخلوا كريمة تحس إنها غريبة وغير مرغوب فيها حتى في بيتها وجوازتها، يعلقوا على طريقتها في الأكل، لبسها، عيلتها، ضحكتها، وحتى الطريقة اللي كانت بتسند بيها بطنها وهي حامل في الصور.
أنا كنت كارهاهم من أول يوم.
بس في الليلة دي.. أنا بدأت أفهم هما إيه بالظبط.
ركبت عربيتي، ودورت الموتور
طول الساعتين وأنا سايقة بأقصى سرعة، كنت سامعة في التليفون نفس كريمة اللي بيتحول لشهقات باهتة. كنت بكلمها، بصرخ فيها عشان متغيبش عن الوعي أنا جاية يا كريمة.. قاومي عشان ابنك.. عشان عيلتك.. افتكري إحنا مين!
وصلت عند البنزينة المهجورة الساعة أربعة الفجر. النور العالي بتاع العربية كشفها.. كانت لسة قاعدة ورا يافطة إعلانات قديمة محتمية بيها من الريح، لامة رجليها لبطنها، وجسمها كله بيتنفض. نزلت جري، رميت عليها بطانية الطوارئ الحرارية وفضلت أفرك في إيديها وركب بنطلونها اللي الدم نشف وتلج عليها من كتر الخربشة في الأسفلت وهي بتحاول تقف.
شيلتها وركبتها العربية، وطيران على أقرب مستشفى في طريق السويس. طول الطريق وهي بتعيط وتقولي كنا راجعين من الشاليه، تهاني اتخانقت معايا عشان طلبت يقفوا أربط جزمتي، بهيرة هانم زعقت وقالتلي إنتي عالة ومقرفة، ونزلتني بحجة إنها بتهزر وبتأدبني، وسابوني ومشوا في الضلمة.. افتكرتهم هيلفوا يرجعوا، بس ميرجعوش يا نادين.. ميرجعوش.
الدكاترة لحقوها