قصة جديدة

لمحة نيوز

في تلك الشقة البسيطة الهادئة التي تفوح منها رائحة القهوة الممزوجة برائحة أوراق الكتب والدفاتر القديمة، كنت أعيش حياتي وإيقاعها الهادئ. أنا امرأة واجهت من تقلبات الحياة ما يكفي لزلزلة الجبال؛ مدرسة لغة عربية، أم لفلذتي كبد، طفلين توأم في عمر الزهور، ومطلقة قررت أن تخوض معترك الحياة وحيدة، متسلحة برضى الله وكبريائي، دون أن أمد يدي لأحد أو أطلب عوناً من مخلوق. كان راتبي، على بساطته ومحدوديته، بمثابة السفينة التي تعبر بنا أمواج الغلاء والالتزامات اليومية. أوازن فيه بين مصاريف المدارس، ملابس الصغار، وفواتير الحياة، وأخرج دائماً من هذا التحدي بابتسامة رضا لا تفارق وجهي.
في ذلك المساء الخريفي، وبعد يوم شاق من الشرح وتصحيح الكراسات وتلبية طلبات توأمي، جلست أخيراً لألتقط أنفاسي. فجأة، أضاءت شاشة هاتفي معلنة وصول رسالة على تطبيق الواتساب من مي، زوجة أخي الأصغر. كنت أشعر بسعادة غامرة من أجل أخي؛ فقد رزقهما الله بطفلهما الأول بعد سنوات من الانتظار واللهفة، وكنت أستعد بكل جوارحي لمشاركتهما فرحة السبوع القادم.
فتحت الرسالة بابتسامة، لكن الابتسامة تلاشت تدريجياً وتحولت إلى دهشة عارمة، ثم إلى صدمة شلت تفكيري لثوانٍ. كانت الرسالة تحتوي على رابط إلكتروني، ومكتوب فوقه بنبرة متعالية قليلاً دي لستة الحاجات اللي ناقصاني للبيبى يا جماعة، عشان اللي حابب يجيب هدية يختار منها ويَعلم على الحاجه عشان ميكررش.
فتحت الرابط، وبدأت أتنقل بين الصفحات،

وشعرت ببرودة شديدة تسري في أطرافي. لم تكن هذه مجرد قائمة طلبات عادية، بل كانت أشبه بقائمة مشتريات لأمراء وعائلات ملكية! كانت الطلبات كلها تنتمي لماركات عالمية شهيرة، وأسعارها تفوق كل حدود المنطق بالنسبة لظروفي المادية
عربة أطفال Stroller من ماركة ألمانية شهيرة سعرها 60 ألف جنيه!
حقيبة جلدية مخصصة لمستلزمات الحفاضات ب 15 ألف جنيه!
سرير بيبي خشبي بتصميم كلاسيكي مستورد ب 25 ألف جنيه!
كرسي طعام للأطفال بتصميم ديزاينر فرنسي بمبلغ وقدره!
جلست على أريكتي وأنا أشعر بغصة مريرة في حلقي. نظرت إلى السقف، ثم التفتُّ إلى غرفتي البسيطة. كيف لمي أن تفكر بهذه الطريقة؟ ألا تعلم أن في العائلة من هو ميسور الحال ومن هو متوسط الحال، ومن مثلي، يصارع الأيام ليربي أطفاله؟ شعرت بضيق شديد وحزن، فميزانيتي بالكامل لا تتحمل ربع ثمن أي غرض في هذه القائمة، وفي الوقت ذاته، كبريائي كأخت كبرى يمنعني من أن أظهر بمظهر المقصرة، أو أن أشتري شيئاً رخيصاً لا يليق، أو أتهرب من الواجب.
الفصل الثاني غزل المحبة ووقت من الذهب
أمضيت تلك الليلة أتقلب في فراشي، والأسئلة تلتهم عقلي. كيف سأتصرف؟ هل أستدين لأشتري قطعة من القائمة وأقضي بقية الشهر في عسر مادي؟ لا، الاستدانة ليست من شيمي. وفجأة، في الهزيع الأخير من الليل، ولمعت في رأسي فكرة بدت لي أثمن وأجمل من كل أموال الدنيا وماركاتها المزيفة.
تذكرت موهبتي القديمة، تلك الحرفة الراقية التي ورثتها عن أمي وجدتي، وكنت أجد فيها
سلوتي وراحتي أنا بارعة جداً في شغل التريكو وال هاند ميد والغزل اليدوي بدقة متناهية. قررت في تلك اللحظة أن أصنع للطفل الجديد هدية لا يمكن للمال أن يشتريها، هدية فريدة تحمل روحي، ووقتي، ودعواتي الصادقة في كل غرزة من غرزها.
في الصباح التالي، نزلت إلى السوق وتوجهت إلى أحد المحلات المتخصصة في بيع الخيوط الراقية. لم أسترخص أبداً؛ بل اخترت أفضل وأجود أنواع الخيوط في العالم صوف الميرينو الطبيعي النقي بنسبة 100، بلون الأوف وايت الدافئ، وهو نوع من الصوف فائق النعومة، صحي تماماً، ولا يسبب أي حساسية، بل ملمسه كالحرير على بشرة الأطفال حديثي الولادة. كلفني الخيط مبلغاً ليس هيناً، لكنني دفعته بحب وسعادة.
بدأت رحلتي مع تلك البطانية. تحول بيتي الصغير إلى ورشة حب دافئة. كنت أنتظر حتى ينام طفلاي التوأم، وأنتهي من تصحيح كراسات تلاميذي والتحضير لدروس الغد، ثم أمسك بإبر التريكو الطويلة وتبدأ أصابعي في غزل الحكايات. أمضيت في صنع هذه البطانية أكثر من 50 ساعة عمل متواصلة على مدار أسبوعين كاملين. لم تكن مجرد غرز صوفية، بل كانت مزيجاً من الصبر والتفاني. وفي الزاوية الأخيرة من البطانية، قمت بتطريز اسم البيبي بخيوط حريرية مذهبة، بحروف عربية منسابة وغاية في الأناقة والجمال.
عندما انتهيت منها، فردتها أمامي وشعرت بدموع الفرح تترقرق في عيني. كانت تحفة فنية بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ ناعمة، ثقيلة، دافئة، وتشع جمالاً وإتقاناً. أحضرت علبة كرتونية أنيقة،
مبطنة بورق التشو الحريري الراق، ووضعت البطانية داخلها بعناية، ورششت عليها قطرات من مسك الأطفال النقي، ثم أغلقت العلبة بشريط عريض من الستان الرمادي الفاخر. كنت فخورة جداً بنتاج تعبي، وشعرت أن هذه الهدية هي أصدق وأجمل ما يمكن لقلب بشري أن يقدمه لآخر.
الفصل الثالث حفلة البهرج والزيف
وجاء يوم السبوع المنتظر. كانت الحفلة مقامة في قاعة فخمة بأحد الفنادق الكبرى، تم حجزها وتزيينها خصيصاً لهذه المناسبة ببالونات وديكورات مذهبة ومسرفة. عندما خطوت خطواتي الأولى داخل القاعة، شعرت وكأنني دلفت إلى عالم غريب لا يشبهني؛ عالم من المظاهر البراقة والصوت العالي.
كانت مي تقف في منتصف القاعة كالملكات، منورة بفستان حمل حريري فاخر من ماركة عالمية، وحولها صديقاتها اللواتي يرتدين فساتين السهرة الأنيقة وال جامب سوتس المشجرة والملونة بأحدث صيحات الموضة. يمسكن بكؤوس العصائر الطازجة، ويتبادلن الأحاديث بصوت مرتفع عن السفر، والماركات، ومستحضرات التجميل، وأسعار العقارات.
كنت أرتدي فستاناً بسيطاً، كلاسيكياً ومرتباً، وشعرت لثوانٍ بتلك النظرات الفاحصة من صديقاتها، نظرات تقيم الشخص من حذائه وحقيبته. تملكني شعور طفيف بالغربة والاقتراب من الانسحاب، لكنني سرعان ما رفعت رأسي وضغطت على العلبة الأنيقة التي بين يدي بفخر وثقة؛ فهذه العلبة تحتوي على خمسين ساعة من عمري وحبي، وهذا أثمن من أي شيء آخر.
بعد فترة من الترحيب وتناول الأطعمة والمشروبات، أعلن المذيع الداخلي
للحفل عن بدء
 

تم نسخ الرابط