قصة جديدة
مراسم فتح الهدايا. جلست مي على كرسي مذهب ضخم، وتحلق حولها الجميع في حلقة واسعة، والكل يترقب ويوجه كاميرات الهواتف الحديثة لتصوير اللحظة ومشاركتها على وسائل التواصل الاجتماعي.
بدأت مي تفتح الشنط الفاخرة والعلب الكبيرة، وكانت علامات السعادة المفرطة ترتسم على وجهها مع كل ماركة تلمحها. تعالت صيحات الإعجاب والتصفيق والزغاريط من صديقاتها وقريباتها
واو يا مي! الشنطة ال 15 ألف اهي! تحفة!
يا الله! السرير الخشب وصل زي ما طلبتي بالظبط!
كانت الأجواء مشحونة ببهجة مبنية بالكامل على الأرقام، والأسعار، والفواتير، والمباهاة الاجتماعية.
الفصل الرابع اللحظة القاسية وانكسار الخواطر
حتى جاء دور علبتي.. تقدمت بخطوات ثابتة، والابتسامة الصادقة تملأ وجهي، وقدمت لها العلبة الراقية قائلة بنبرة حنونة ألف مبروك يا مي يا حبيبتي، يتربى في عزكم ودلالكم يا رب.. دي حاجة معمولة مخصوص للبيبى الغالي من كل قلبي.
أخذت مي العلبة بدون اهتمام، ولم تكلف نفسها عناء الابتسام. فكت شريط الستان بإهمال، وفتحت الغطاء، ثم مدت يدها وشدت البطانية من العلبة بأطراف أصابعها وكأنها تمسك بشيء غريب. نظرت إليها لثوانٍ، وفجأة، تحولت ملامح وجهها إلى البرود والتعالي، ولوت بوزها بطريقة مستفزة، ونظرت إليّ أمام كل الحاضرين وقالت بنبرة تقطير واحتقار
إيه ده؟ حاجة بيتي رخيصة كده؟ هو أنتِ ليه مشتريتيش من اللستة اللي بعتهالك؟ البتاع ده هيكش
وقع الكلمات عليّ كان كالصاعقة. ساد الصمت القاعة فجأة، ثم، ويا لقسوة قلوب البشر، تعالت همهمات وضحكات خافتة وساخرة من صديقاتها المحيطات بها. كان نوعاً من الضحك البارد الذي يحرق الدم، ويجعل الدم يغلي في العروق من فرط الإهانة والحرج. شعرت بأذناي تسخنان بشدة، واهتزت الأرض تحت قدمي، وامتلأت عيناي بدموع قهر حاولت بكل قوتي حبسها. تمنيت في تلك اللحظة لو أن الأرض تنشق وتبلعني؛ فكل غرزة حب غزلتها، وكل ساعة سهر قضيتها، تم دوسها بأقدام السطحية والغرور أمام الجميع وبلا أي ذنب.
وفجأة.. قطع هذا المشهد المستفز صوت قوي، حازم، ومدوٍ.. صوت كرسي خشبي ثقيل بيترزع في الأرض بقوة هزت أركان المكان!
الفصل الخامس صرخة الحق ورد الاعتبار
وقف رجل وقور في أواخر الخمسينيات من عمره، ذو هيبة وجلال وشعر أبيض ينم عن حكمة السنين.. إنه المهندس مصطفى، والد مي، وحما أخي. كان رجلاً عُرف بين الجميع بأصوله الصعيدية العريقة، وبأنه يزن الرجال والنساء بمواقفهم وأخلاقهم لا بأموالهم. كان صوته هادئاً بشكل مخيف، لكنه هز جدران القاعة كلها زي الجرس
مي.. بصيلي هنا.. حالا!
التفتت مي لوالدها مذهولة، وتوقفت ضحكات الصديقات فوراً وكأن على رؤوسهن الطير. سار الرجل بخطوات ثابتة، واثقة، تتسم بالهيبة نحو ابنته. انتشل البطانية من يدها برفق شديد، ورفعها أمام عينيه.
التفت المهندس مصطفى إلى الحضور جميعاً، وتحدث بصوت جهوري مسموع ملأ كل زاوية في القاعة
يا جماعة.. الهدية دي هي أغلى وأثمن وأرقى حاجة دخلت القاعة دي النهاردة، بل وأغلى من الحفلة دي كلها بما فيها! البطانية دي مصنوعة من صوف الميرينو الطبيعي النقي اللي بيتباع بالجرام وبيتصنع مخصوص. والأهم من تمن الصوف، إنها مصنوعة بإيدين مدرسة فاضلة، أخت غالية، قعدت ساعات طوال وأيام من وقتها وصحتها وراحتها عشان تطلع تحفة فنية مفيش منها قطعتين في العالم كله. الهدية دي مش مجرد قماش نلف بيه العيل، دي قطعة من قلب محب، ووقت ومجهود لا يقدر بملايين الدنيا،
ثم التفت لابنته مي ونظر في عينيها بنظرة حادة ممزوجة بالعتاب الأبوي الحكيم والصارم، وقال لها بلهجة لا تقبل النقاش
لو إنتِ يا بنتي عينك مابقتش تشوف غير أرقام الفواتير وأكياس الماركات، ومش عارفة تقرّي قيمة الفن وقيمة الحب اللي محطوط في الهدية دي.. يبقى أنتِ لسه منضجتيش كفاية، ولسه بدري عليكي عشان تبقي أم وتعرفي تربي طفل على الأصول، والشرف، والقيم الطيبة والرضا. عمتو شالت ابنك في عيونها وفي قلبها وهي بتغزل القطعة دي، والاعتذار ليها دلوقتي حالا قدام الكل واجب وفرض عليكي، والبطانية دي أنا اللي هاخدها وأشيلها لحفيدي في بيتي وبنفسي، لأنها
الفصل السادس الختام المشرق وانتصار النقاء
في تلك اللحظة، تحول المشهد تماماً. احمرّ وجه مي خجلاً وفشلت كل مساحيق التجميل في إخفاء معالم خزيها. أطرقت رأسها أرضاً، وأدركت فداحة وسطحية كلماتها أمام حكمة والدها ونظرات الحاضرين التي تحولت في ثوانٍ معدودة من السخرية المبطنة إلى الاحترام الشديد والإعجاب والتقدير لي.
تقدم أخي الأصغر وعيناه تفيضان بالخجل، واحتضنني بقوة هامساً في أذني سامحيني يا أختي يا حبيبتي، تسلم إيدك، دي أحسن هدية جتلنا. وفي نفس الوقت، قامت مي من كرسيها المذهب، وعيناها مليئتان بدموع الندم الحقيقي والاعتراف بالخطأ. اقتربت مني بخطوات بطيئة، وأمسكت بيدي وقبلت رأسي أمام صديقاتها وقالت بنبرة حانية ومتحشرجة بالبكاء أنا آسفة جداً يا طنط.. سامحيني، أنا بجد مكنتش فاهمة القيمة دي كلها وغرتني المظاهر.. تسلم إيدك وتعيشي وتعملي، ويخليكي لينا ولأولادك.
تنفست الصعداء، وشعرت بغصة الحزن تتبدد وتحل محلها عزة نفس وكبرياء لا يطالان. مسحت دمعة دافئة هربت من عيني، ونظرت إلى بطانيتي الدافئة المنسوجة من صوف الميرينو، وأنا أعلم يقيناً أن غرز الحب، والخير، والعمل الصادق لا تضيع أبداً، وأن القلوب النقية المليئة بالرضا هي التي تنتصر دائماً في النهاية، مهما بلغت سطوة المظاهر وزيفها. عدت إلى بيتي وأنا أحتضن توأمي، شاعرة بسلام داخلي لا يقدّر بكل أموال
تمت الحمدلله.