قصة جديدة

لمحة نيوز

دفنا أمي بفلوس الجيران بعد ما عاشت عمرها كله تقول إنها مش لاقية تمن دوا الضغط... لكن بعد موتها بتلات تيام بس وأنا بنقل حاجتها لقيت حاجة تحت حتة صاج مصدية خلت رجلي متبقاش شايلاني.
والله العظيم لحد النهارده مش عارفة ألوم نفسي ولا ألومها.
أمي طول عمرها بتقول إن الحال على قده بتبيع فطاير وعيش في السوق يومين في الأسبوع وتلف على البيوت تساعد الستات في التنضيف عشان توفر حق الدوا والأكل
وكل ما أقولها يا أمي اشتري لنفسك حاجة عدلة.
كانت تضحك نفس الضحكة المكسورة اللي عمرها ما فارقت وشها وتقول
أنا كويسة يا بنتي أهم حاجة أنتِ تاكلي وتشبعي.
وكنت بصدقها.
كنت فاكرة فعلًا إن أمي ماعندهاش غير اللي في جيبها.
لحد اليوم اللي ماتت فيه.
أمي ماتت على سرير المستشفى وإيديها كانت ساقعة بشكل عمره ما هيفارق خيالي ورجليها كانوا ورمين من التعب والمرض.. وأنا قاعدة جنبها ماسكة إيدها وبقولها متسبنيش لكنها سابتني.
ولما دفناها والله العظيم ما كان معايا فلوس الجنازة كاملة.
الجيران هما اللي وقفوا جنبي واحد دفع تمن الكفن وواحد جاب الأكل وواحدة ساعدتني في مصاريف العزا.
وأخويا سامح كان أول واحد يسأل على البيت مش على أمي.
بعد الدفنة بيومين بس دخل عليا وقال
بصي يا هناء... البيت ده قديم وخربان نبيعه ونقسم تمنه وخلاص.
بصيتله كأني أول مرة أشوفه وقولت
إحنا لسه راجعين من المقابر.
مراته نهلة ضحكت وقالتهو يعني الست الله يرحمها كانت سايبة إيه؟ ده البيت واقع أصلاً.
ساعتها حسيت إن النار ولعت جوايا لكني سكت لأني كنت تعبانة وموجوعة ومكسورة.
ومن يوم ما أمي تعبت وأنا شايلة كل حاجة لوحدي أنا اللي كنت بجيب دواها وأكشف عليها وأبات جنبها في المستشفى.
أما أخويا فكان بيقول
انا معايش مليم اتصرفي أنتي.
وأحتفظت بكل الرسائل دي كل كلمة كل موقف كل إهانة. يمكن علشان جوايا كان حاسس إن يوم الحساب جاي.
وفي ليلة بعد العزا كنت قاعدة لوحدي في البيت. البيت كان ساكت بشكل يخوف.
ريحة القهوة البايتة لسه موجودة وطرحتها

لسه معلقة ورا الباب.
وكأنها هتدخل دلوقتي وتقولي اعمليلي كوباية شاي يا بنتي.
ورغم إني كنت بموت من التعب فضلت ألف بعيني في البيت.
وفجأة عيني وقعت على مفتاح صغير جدًا مربوط فيه شريط أحمر.
المفتاح ده كان مع أمي طول عمرها وأنا صغيرة كنت أسألها
بيفتح إيه يا أمي؟
فتضحك وتقول
حاجات أحسن تفضل مقفولة.
افتكرت كلامها وحسيت بقشعريرة غريبة.
وفي اليوم اللي بعده وأنا برتب البيت المطر بدأ ينزل والسقف القديم بدأ يسرّب مية زي عادته.
طلعت أحط جردل تحت النقطة اللي بتنقط وساعتها لاحظت حاجة غريبة.
حتة صاج في السقف شكلها مختلف طلعت فوق الكرسي وبعدين فوق الترابيزة ومديت إيدي جوه الفتحة ولمست حاجة ملفوفة.
سحبتها وكانت علبة صاج قديمة متربة عليها قفل صغير.
قلبي كان بيدق بشكل مرعب طلعت المفتاح الأحمر وحطيته والقفل اتفتح من أول مرة.
فتحت العلبة ولقيت جواها دفتر بنك وظرف أصفر وصورة قديمة.
مسكت الصورة الأول والله العظيم إيدي كانت بتترعش.
لأن الست اللي في الصورة كانت أمي. بس مش أمي اللي أعرفها.
ست شيك جدًا. لابسة فستان أبيض وشعرها متظبط وحواليها ناس شكلهم من عالم تاني خالص.
قلبت الصورة ولقيت اسم عمري ما سمعته قبل كده. اسم مش اسم أمي.
ساعتها فتحت دفتر البنك وفي اللحظة دي حسيت إن روحي خرجت مني.
لأن الرقم اللي قدامي كان بالملايين. ملايين!أمي اللي كانت بتعد الجنيهات قبل ما تشتري الدوا.
أمي اللي كانت تقول معنديش. أمي اللي دفناها بتبرعات الناس.
كان عندها ملايين وقبل ما أستوعب اللي شوفته موبايلي رن.
كان أخويا سامح. رفضت أرد.
بعدها بثواني بعت رسالة صوتية. شغلتها وفجأة سمعت صوت مراته وهي بتقول من بعيد
هو لقى الصندوق ولا لسه؟
وفي نفس اللحظة سمعت أخويا يهمس بصوت خلّى الدم يتجمد في عروقي
صابرين_محمد
دفنا أمي بفلوس الجيران بعد ما عاشت عمرها كله تقول إنها مش لاقية تمن دوا الضغط... لكن بعد موتها بتلات تيام بس وأنا بنقل حاجتها لقيت حاجة تحت حتة صاج مصدية خلت رجلي متبقاش شايلاني.
سامح قال
بصوت واطي وهو فاكر إن التسجيل اتقفل
متتكلميش في التليفون يا نهلة... لو هناء عرفت قبل ما نلحق نتصرف هتبقى مصيبة.
وقبل ما يكمل قفلت الرسالة.
فضلت باصة للموبايل ثواني طويلة. قلبي بيدق بعنف، وإيدي ماسكة دفتر البنك كأنه هيختفي لو سيبته.
إزاي أخويا يعرف بالصندوق؟
وإزاي يعرف إنه موجود أصلًا؟
أنا نفسي ماكنتش أعرف عنه أي حاجة!
فتحت الظرف الأصفر بسرعة. كان جواه مجموعة ورق قديم مترب، وبعض الإيصالات، وخطاب مكتوب بخط إيد أمي.
أول سطر فيه كان
لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا خلاص مش موجودة.
دموعي نزلت غصب عني.
لكن اللي شد انتباهي أكتر إن أمي ماكملتش الكلام عن نفسها، ولا عن الفلوس.
كتبت جملة واحدة بس تحتها
أوعي تثقي في أي حد يطلب منك الدفتر قبل ما تعرفي الحقيقة كاملة.
الحقيقة كاملة؟
قعدت أدوّر في باقي الورق.
لقيت عقود قديمة جدًا، وأسماء ناس معرفهاش، وختم شركة مقفولة من سنين.
وفجأة وقعت من بين الأوراق ورقة صغيرة مطوية أربع مرات.
فتحتها.
كانت عبارة عن أرقام وتواريخ وأسماء.
وفي آخر الورقة اسم واحد بس كنت أعرفه كويس...
سامح.
أخويا.
اسمه متكرر أكتر من مرة.
وتحته أرقام كبيرة.
عشرات الآلاف.
وفي جنب كل رقم كلمة واحدة
سُدد.
اتسمرت مكاني.
أخويا كان بياخد فلوس من أمي؟
طب ليه كان دايمًا يقول إنه عمره ما أخد منها جنيه؟
وليه كانت بتشتغل لحد آخر يوم في عمرها؟
الأسئلة كانت بتزيد بشكل جنوني.
وفي اللحظة دي سمعت صوت باب البيت الخارجي بيتفتح.
اتجمدت.
أنا كنت قافلة الباب بنفسي.
قمت بهدوء وبصيت من شق الباب.
ولقيت سامح واقف في الصالة.
معاه نهلة.
وبيتكلموا بصوت واطي.
نهلة قالت
دوري كويس... أكيد مخبياه هنا.
سامح رد بعصبية
أنا متأكد إنها كانت حاطاه فوق... أمي عمرها ما غيرت مكانه.
قلبي وقع.
هم مش جايين يعزّوني.
هم جايين يدوروا على حاجة.
نفس الحاجة اللي لقيتها.
رجعت بسرعة وخبيت الدفتر والظرف تحت هدومي، وقبل ما ألحق أتحرك سمعت صوت خطواتهم بتقرب من أوضة أمي.
خطوة...
ورا خطوة...
لحد ما
وقفوا قدام الباب بالضبط.
وسمعت سامح يقول
لو الصندوق اتفتح فعلاً... يبقى هناء عرفت السر اللي أمي خبّته عننا أكتر من تلاتين سنة.
ساعتها بالذات...
وقبل ما أستوعب معنى كلامه...
وقع من داخل الظرف مفتاح تاني.
أصغر من الأول.
ومربوط فيه ورقة صغيرة جدًا مكتوب عليها بخط أمي
الخزنة الحقيقية مش في البيت بصيت لشهادة الميلاد أكتر من مرة.
الاسم فعلًا ماكنش اسم أمي... ولا اسم جدي... ولا أي اسم سمعته قبل كده.
رفعت عيني للحاج منصور وقلت
أنا مش فاهمة حاجة.
تنهد الراجل تنهيدة طويلة وقال
وأنا كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
وقبل ما يشرح، سحب صورة قديمة من الملف.
الصورة كانت بالأبيض والأسود.
فيها راجل وقور لابس بدلة، وست كبيرة شكلها من عيلة ميسورة، وبينهم طفلة صغيرة.
الطفلة دي كانت أمي.
مفيش شك.
نفس العينين.
نفس الابتسامة.
نفس الملامح.
لكن الناس اللي واقفين معاها عمرهم ما ظهروا في أي صورة عندنا.
سألته بسرعة
مين دول؟
الحاج منصور مسح على الصورة بحنان وقال
دي كانت أول عيلة عاشت معاها فاطمة.
أول عيلة؟
الكلمة نزلت عليّ زي الصاعقة.
قلت
يعني إيه أول عيلة؟
قبل ما يرد، فتح الملف على صفحة تانية.
كانت قصاصة جريدة قديمة جدًا.
عنوانها كان كبير وعريض
حادث مأساوي يودي بحياة رجل أعمال وزوجته.
وتحت الخبر صورة لنفس الراجل والست اللي كانوا في الصورة.
إيدي بدأت ترتعش.
الحاج منصور قال بهدوء
الحادث ده حصل من سنين طويلة... وفي الليلة دي حياة ناس كتير اتغيرت.
فضلت ساكتة.
فكمل
بعد الحادث بأيام اختفت طفلة صغيرة كانت الوريثة الوحيدة لكل اللي أهلها سابوه.
حسيت إن قلبي وقف.
قلت
تقصد...
لكنه رفع إيده وقال
اسمعي للآخر.
فتح الملف على صفحة تالتة.
وهنا لقيت مستندات رسمية وخطابات ومحاضر قديمة.
كلها بتتكلم عن أملاك وأراضي وحسابات مالية.
وأسماء أصحابها كانت نفس الأسماء اللي في الجريدة.
لكن أغرب حاجة كانت موجودة في آخر الملف.
وصية مكتوبة بخط اليد.
في آخرها توقيع.
ولأول مرة أشوف توقيع أمي الحقيقي.
مش باسم
فاطمة.
ولا باسم الست اللي ربتنا وعاشت وسطنا طول عمرها.
بل باسم مختلف تمامًا.
اسم مكتوب بخط واضح
ليلى عبد الرحمن السيوفي.
بصيت للحاج منصور مذهولة.
قلت
أمي اسمها
 

تم نسخ الرابط