قصة جديدة

لمحة نيوز


مهجور من بره، فمين ممكن يتصل؟
سامح رد.
وسكت.
ثم سمعته يقول
مين؟
وبعد ثوانٍ تغير لون وجهه.
ووضع السماعة ببطء.
قلت
مين كان؟
رد بصوت منخفض
ما قالش اسمه.
قال إيه؟
نظر إليّ مباشرة.
وقال
قال إن هناء لازم تروح الميناء الجواني لوحدها.
شعرت ببرودة تسري في جسمي.
وبعدين؟
ابتلع ريقه.
وقال إن الوقت انتهى.
وقبل أن أسأله أي شيء آخر، لفت نظري شيء خلف الملف.
جيب سري صغير داخل الغلاف.
فتحتُه.
ولقيت مفتاحًا قديمًا من البرونز.
ومعه قصاصة ورق.
مكتوب عليها بخط أمي
إذا وصل المفتاح إليكِ، فمعناه أن الصندوق الثامن عشر لم يُسرق...
توقفت أنفاسي وأنا أكمل القراءة.
...بل اختار صاحبه الجديد.
رفعت رأسي ببطء.
وبصيت للمفتاح في إيدي.
وفي اللحظة نفسها...
سمعنا صوت سيارة تتوقف أمام البيت.
ثم أخرى.
ثم ثالثة.
وبعدها مباشرة...
وصل إلينا صوت طرق هادئ جدًا على الباب.
ثلاث طرقات متتالية.
كأن الطارق واثق تمامًا أن من بالداخل يعرفه أنا وسامح اتبادلنا النظرات.
الغريب إن الطرقات ماكنتش عنيفة ولا مستعجلة.
بالعكس...
كانت هادئة بشكل مخيف.
تك... تك... تك.
ثم ساد الصمت.
سامح اتحرك ناحية الشباك بحذر.
بص من فتحة صغيرة بين الستاير القديمة.
وفجأة رجع خطوة لورا.
قلت بسرعة
مين؟
لكنه ما ردش.
وشه كان شاحب.
كررت السؤال.
فقال
راجل واحد.
ومين يعني؟
بلع ريقه وقال
محمود عزت.
اتجمدت مكاني.
نفس الاسم اللي في الصورة.
نفس الراجل اللي شوفته في جنازة أمي.
لكن ده مستحيل.
حسب الملفات، الراجل ده المفروض مختفي من سنين طويلة.
رجعت الطرقات تاني.
ثلاث طرقات بنفس الهدوء.
ثم وصل صوت من بره الباب
يا هناء... أمك قالتلي إن اليوم ده هييجي.
شعرت بقشعريرة تسري في جسمي كله.
الصوت كان

ثابت.
هادئ.
وصادق بشكل غريب.
سامح صاح فجأة
متفتحيش الباب!
لكن الراجل بره رد فورًا
وأنت بالذات مالكش حق تمنعها.
ساد صمت ثقيل.
ثم أضاف
لأنك عارف إن الحقيقة ناقصة.
الكلمات دي أصابت سامح في مقتل.
واضح إنه فعلاً مش عارف كل حاجة.
بعد لحظات طويلة من التردد...
قربت من الباب.
وسألت
إنت مين؟
جالي الرد فورًا
أنا آخر شخص أوصتله أمك قبل وفاتها.
قلبي دق بعنف.
فتحت الباب ببطء.
وكان واقف قدامي.
نفس الراجل اللي في الصورة.
لكن أقرب.
وأوضح.
وفي عينيه حزن غريب.
مش أول ما دخل بص على الملفات.
ولا على المفتاح.
ولا حتى على سامح.
أول حاجة عملها إنه طلع صورة قديمة من جيبه ومدهالي.
مسكتها.
ولما بصيت فيها...
شهقت.
الصورة كانت لأمي.
لكن أصغر بسنين كتير.
واقفة قدام نفس المخزن رقم 17.
وجنبها شاب صغير.
ولما دققت أكتر...
عرفته.
كان الحاج منصور وهو شاب.
وعلى ظهر الصورة كانت مكتوبة جملة بخط أمي
البداية كانت هنا... لكن النهاية في الصندوق.
محمود عزت قال بهدوء
كلكم فاكرين إن الصندوق الثامن عشر فيه فلوس أو أوراق.
ثم هز رأسه.
لكن محدش فيكم فهم وصية أمك.
سألته بسرعة
أمال فيه إيه؟
نظر للمفتاح البرونزي اللي في إيدي.
ثم قال
قبل ما أجاوبك... لازم تعرفي حاجة.
وسحب ظرفًا صغيرًا من جيبه.
كان أصفر وقديم.
وعليه اسم واحد فقط.
هناء.
اتسعت عيناي.
ده إيه؟
قال
أمك سلمتهولي من شهرين.
شهرين؟!
وقالتلي ما أديهوش ليكي إلا لما تلاقي المفتاح ده.
بصيت للظرف.
كان مختوم بالشمع الأحمر.
نفس الختم اللي شفته قبل كده على أوراق أمي.
فتحت الظرف بإيد مرتعشة.
وجواه رسالة قصيرة جدًا.
قصيرة لدرجة إنها كانت سطرين فقط
يا هناء...
إذا كنتِ تقرئين هذا الآن، فاعلمي أن الصندوق الثامن
عشر ليس شيئًا يُمتلك... بل مسؤولية تُسلَّم.
وتحت الرسالة مباشرة...
كان فيه عنوان جديد.
عنوان ما شافوش سامح قبل كده.
ولا الحاج منصور.
ولا أي اسم ظهر في الملفات.
لكن أكثر حاجة صدمتني...
إن العنوان كان مكتوب تحته بخط كبير وواضح
لا تذهبي إلى هذا المكان إلا إذا كنتِ مستعدة لمعرفة لماذا عشتُ فقيرة رغم أنني كنت أملك الملايين مسكت الرسالة وفضلت أبص للكلمات وقت طويل.
طول الرحلة كلها كنت فاكرة إن السر عبارة عن فلوس مخبأة، أو ميراث ضايع، أو أملاك محدش يعرف عنها حاجة.
لكن كل ما قربت من الحقيقة، اكتشفت إن أمي كانت بتخبّي حاجة أكبر من كده بكتير.
في اليوم التالي، رحت للعنوان اللي كتبته.
كان مبنى قديم على أطراف محافظة بعيدة.
لا عليه اسم واضح، ولا لافتة كبيرة.
مجرد باب حديدي بسيط.
لما دخلت، اتفاجئت بعشرات الملفات المرتبة بعناية.
وصور.
وسجلات.
وحسابات بنكية.
وفي آخر القاعة كانت لوحة كبيرة مكتوب عليها
صندوق الأمانة.
وهنا بدأ محمود عزت يحكي الحقيقة كاملة.
من أكتر من ثلاثين سنة، أمي ورثت ثروة ضخمة جدًا بعد وفاة عائلتها الأصلية.
لكنها شافت بعينيها إزاي الفلوس فرقت بين الأقارب، وخربت بيوت، وخليت الناس تتصارع على الميراث.
وفي نفس الوقت كانت بتشوف مرضى مش لاقيين علاج، وأرامل مش لاقيين أكل، وطلبة بيتركوا تعليمهم بسبب المصاريف.
وقتها أخدت قرار عمرها كله.
قرار محدش فهمه.
ولا حتى أقرب الناس ليها.
حولت أغلب ثروتها لصندوق خيري سري يساعد المحتاجين بشكل مباشر، من غير ما يعرفوا مين اللي بيساعدهم.
كانت تتابع الحالات بنفسها.
وتزور الناس بنفسها.
وتكتب أسماءهم في الدفاتر اللي لقيتها.
وال صندوق اللي اكتشفتهم ماكانوش صناديق فلوس.
كانوا 17 مشروعًا
صغيرًا موزعين في أماكن مختلفة
مخابز.
ورش.
مشاغل خياطة.
مساعدات تعليم.
علاج مرضى.
كل مشروع كان بيصرف على عشرات الأسر.
أما الصندوق الثامن عشر...
فماكانش صندوقًا أصلًا.
كان إدارة كل الأمانة دي.
المسؤولية كلها.
عشان كده أمي كتبت
لا يُمتلك... بل يُسلَّم.
أما سامح؟
فالحقيقة إنه كان يعرف جزءًا من السر.
أمي كانت بتستعين به أحيانًا في توصيل مساعدات أو إنهاء أوراق، لكنه مع الوقت بدأ يفكر في الفلوس نفسها أكتر من الهدف منها.
ولما اكتشفت ده، أبعدته عن التفاصيل.
عشان كده كان بيحاول يوصل للصندوق.
ظنًا منه إن فيه ثروة مخبأة.
ولما شاف كل المستندات بعينيه، انهار.
لأنه أدرك إن الست اللي كان بيعتبرها فقيرة طول عمرها كانت بتصرف ملايين... لكن على الناس، مش على نفسها.
بعد أسابيع، جمعنا كل الملفات.
وراجعنا كل الحسابات.
واكتشفنا إن آلاف الأسر استفادت من أموال أمي على مدار السنين.
ناس اتعالجت.
وناس اتعلمت.
وناس فتحت بيوت واترزقت.
من غير ما تعرف حتى اسم الشخص اللي ساعدها.
وفي آخر ملف وجدته، كانت آخر رسالة منها
يا هناء...
لو وصلتي لهنا، يبقى أنا نجحت أخبي عنكم الفلوس وأظهرلكم القيمة الحقيقية ليها.
المال لو فضل في البنك هيكبر.
لكن لو دخل قلب محتاج، هيعيش بعد صاحبه بسنين طويلة.
سامحيه لو أخطأ.
وكَمّلي الطريق لو تقدري.
ولو ماقدرتيش، سلّمي الأمانة لحد أمين.
لأن دي مش ثروة... دي مسؤولية.
أقفلت الرسالة وأنا ببكي.
لأول مرة منذ وفاة أمي ماحسّتش إنها سابتني.
بالعكس.
حسيت إنها كانت بتحضرني للمهمة دي من زمان.
وبعد سنة كاملة، وقفنا قدام مبنى جديد اتبنى باسم
مؤسسة فاطمة للأمانة والخير.
نفس اسم أمي اللي عرفه الناس.
الاسم اللي عاشت وماتت به.
أما
الملايين اللي كانت مخبياها؟
فماحدش ورثها.
لأنها من البداية ماكنتش ملكها وحدها.
كانت أمانة...
وأخيرًا عرفت ليه دفناها بفلوس الجيران.
لأنها اختارت طول عمرها إنها تكون سبب في ستر غيرها...
قبل ما تفكر في نفسها.

 

تم نسخ الرابط