قصة جديدة
أول صفحة.
وكانت عبارة عن قائمة طويلة جدًا.
مئات الأسماء.
جنب كل اسم مبلغ مالي.
وتاريخ.
وملاحظات.
ناس مرضى.
أيتام.
أرامل.
طلبة.
وعمال.
وأسر كاملة.
كلهم كانت أمي كاتبة جنب أسمائهم تفاصيل دقيقة جدًا.
كأنها كانت بتتابع حياتهم سنة بسنة.
بصيت للحاج منصور بذهول.
فقال
أمك كانت بتدير حاجة أكبر بكتير من اللي متخيلاه.
وفي اللحظة دي، وقعت من بين صفحات الدفتر ورقة صغيرة جدًا.
التقطتها بسرعة.
وكان مكتوب فيها بخط أمي
لو وصلتي للمرحلة دي... متصدقيش كل اللي هتسمعيه عني.
وتحت الجملة مباشرة...
كان فيه عنوان جديد.
ومفتاح مرسوم جنبه بالقلم.
لكن أكثر حاجة رعبتني كانت الكلمة الأخيرة المكتوبة أسفل الورقة
ابدئي من المخزن رقم 17 اتسمرت قدام الصورة.
قربت منها خطوة... واتنين...
مفيش شك.
سامح فعلًا.
نفس الجاكيت الرمادي اللي كان بيلبسه دايمًا، ونفس الساعة اللي جبتها له أمي هدية من سنين.
لكن تاريخ الصورة المكتوب في الركن خلاني أدوخ.
الصورة متصورة قبل وفاة أمي بثمان شهور بس.
يعني في الوقت اللي كان بيقولي فيه إنه مش بيسأل عنها، ومش فاضي يزورها، كان واقف معاها هنا.
في المكان السري ده.
مديت إيدي ونزعت الصورة من الحائط.
ولقيت وراها ظرف صغير.
فتحت الظرف بسرعة.
كان جواه ورقة واحدة بخط أمي.
مكتوب فيها
لو وصلتي للصورة دي، يبقى عرفتي إن سامح كان يعرف جزء من الحقيقة... لكن مش كلها.
وقفت مكاني.
يعني أمي كانت قاصدة ألاقي الرسالة دي.
كملت قراءة.
سامح أخطأ، لكنه ليس أخطر من تبحثين عنه.
ابتلعت ريقي.
وأكملت.
الخطر الحقيقي يعرف مكان المخزن رقم 17.
في اللحظة دي بالذات...
سمعت صوت باب المخزن الرئيسي بيتفتح فوق.
بقوة.
ثم خطوات.
أكتر من شخص.
اتوترت فورًا وأطفأت كشاف الموبايل.
الخطوات كانت بتقرب.
واحد قال
فتشوا المكان كله.
واحد تاني رد
هي لازم تكون هنا.
قلبي كان هيقف.
بصيت حواليّ بسرعة.
ولقيت صندوق حديد صغير تحت مكتب قديم.
سحبته ناحيتي.
كان مقفول.
لكن الغريب إن نفس المفتاح النحاس اللي فتح المخزن دخل فيه بسهولة.
لفيته.
واتفتح.
جواه شريط كاسيت قديم.
ومعاه دفتر مذكرات صغير.
وفي أول صفحة من الدفتر كانت جملة واحدة
الحقيقة تبدأ من التسجيل.
في اللحظة نفسها، وصل صوت الخطوات لآخر السلم
كان فاضل ثواني ويشوفوني.
أخذت الدفتر والشريط بسرعة.
وبصيت أدوّر على أي مخرج.
وفجأة لاحظت فتحة تهوية كبيرة خلف رف الصور.
دفعت الرف بكل قوتي.
فتح جزء من الحائط.
وظهر ممر ضيق جدًا.
دخلت فيه بصعوبة.
وبعد ثوانٍ سمعت الناس يدخلوا الغرفة اللي كنت فيها.
واحد منهم قال بعصبية
كانت هنا!
ورد الثاني
دوروا على الدفتر... أهم حاجة الدفتر.
فضلت ماشية في الممر المظلم لحد ما وصلت لباب معدني صغير.
فتحته.
ولقيت نفسي خارج المخزن من الجهة الخلفية.
جريت من غير ما أبص ورايا.
لحد ما وصلت لبيت قديم مهجور قريب من المكان.
دخلته أستخبى.
وهناك أخيرًا فتحت دفتر المذكرات.
الصفحات الأولى كانت كلها تواريخ وأسماء.
لكن في منتصف الدفتر لقيت صفحة مطوية.
فتحتها.
وكان مكتوب بخط أمي
إذا كنتِ تقرئين هذا الآن، فمعناه أن الأمانة بدأت تنتقل إليك.
وتحتها مباشرة قائمة من 18 رقمًا.
كل الأرقام عليها علامة ...
إلا رقم واحد فقط.
رقم 18.
وبجواره عبارة قصيرة أربكتني أكثر من أي شيء
لا تسلمي الصندوق الثامن عشر لأحد... حتى سامح فضلت أبص للجملة دي وقت طويل.
لا تسلمي الصندوق الثامن عشر لأحد... حتى سامح.
مش إلا سامح...
لا.
حتى سامح.
يعني أمي كانت قاصدة تكتبه بالاسم.
قفلت الدفتر للحظة وحاولت أرتب أفكاري.
كان واضح إن فيه 18 صندوق أو أمانة أو حاجة متقسمة على مراحل.
سبعتاشر منهم حصل فيهم علامة .
وفاضل واحد بس.
الصندوق رقم 18.
وهو اللي الكل بيدور عليه.
سامح.
الرجالة.
الحاج منصور.
وحتى أمي كانت مرتبة كل حاجة عشانه.
وأنا لسه سرحانة سمعت صوت موتور عربية وقف بره البيت المهجور.
اتجمدت.
وبطلت نفس.
وبعد ثواني وصلني صوت باب العربية بيتقفل.
ثم خطوات.
شخص واحد بس.
مش مجموعة.
قربت من الشباك المكسور وبصيت بحذر.
واتفاجئت.
كان سامح.
لوحده.
وشكله مش طبيعي.
هدومه متبهدلة.
وشعره منكوش.
وكأنه بيدور عليا من ساعات.
وفجأة سمعته بينادي
هناء!
سكت.
ثم قال بصوت مبحوح
عارف إنك هنا.
ما رديتش.
فكمل
اسمعيني خمس دقايق بس... وبعدين اعملي اللي إنتِ عايزاه.
كان ممكن أمشي من الباب الخلفي.
لكن فضولي غلبني.
خرجت بحذر وأنا ماسكة الدفتر في شنطتي.
أول ما شافني ارتاح بشكل غريب.
وقال بسرعة
الحمد لله إنك بخير.
بصيتله
إنت كنت بتراقبني؟
هز رأسه بالنفي.
أنا كنت بحاول أوصلك قبله.
سألته
قبل مين؟
لكن قبل ما يجاوب، مد إيده في جيبه وطلع صورة قديمة.
وراهالي.
أول ما شفتها اتسمرت.
كانت صورة لأمي.
وشخص واقف جنبها.
لكن الشخص ده ماكنش سامح.
وماكنش الحاج منصور.
كان راجل تاني خالص.
في الخمسينات من عمره.
وعلى ظهر الصورة مكتوب بخط أمي
صاحب الصندوق الثامن عشر.
رفعت عيني بسرعة.
مين ده؟
سامح بلع ريقه.
وقال
السبب الحقيقي لكل اللي بيحصل.
ثم أضاف
والراجل ده... المفروض إنه مات من أكتر من عشرين سنة.
حسيت بقشعريرة سرت في جسمي كله.
وقبل ما أسأله أي سؤال...
رن موبايله.
نظر للشاشة.
وفجأة سحب اللون من وشه.
قلت
في إيه؟
وراني الشاشة.
كانت رسالة مجهولة.
فيها صورة حديثة جدًا.
صورة متصورة من بره البيت المهجور اللي إحنا واقفين قدامه.
يعني حد بيراقبنا دلوقتي.
وتحت الصورة جملة واحدة
اتأخرتوا... الصندوق رقم 18 اتفتح أنا وسامح بصينا لبعض في نفس اللحظة.
أول مرة من ساعة ما بدأت الحكاية أحس إنه مرعوب بجد.
مش بيمثل.
مش بيدور على فلوس.
مرعوب.
خطف الموبايل من إيدي وبص للصورة مرة تانية.
الصورة كانت متصورة من مكان قريب جدًا.
قريب للدرجة اللي خلتنا نلف حوالينا بسرعة.
لكن الشارع كان فاضي.
مفيش حد.
ولا عربية.
ولا أي حركة.
سامح قال بصوت متوتر
مستحيل.
سألته
إيه اللي مستحيل؟
قال
الصندوق 18 ماكانش ينفع يتفتح.
ليه؟
سكت ثواني.
ثم قال
لأن مفتاحه مش موجود.
فتحت شنطتي بسرعة وطلعت الدفتر.
وقلبت في الصفحات.
لحد ما وقعت ورقة صغيرة ماكنتش شايفاها قبل كده.
الورقة كانت ملزوقة بين صفحتين.
فتحتها.
وكانت عبارة عن رسم بسيط.
18 مربع مرسومين جنب بعض.
17 منهم عليهم علامة .
أما المربع الأخير فكان فاضي.
وتحته جملة قصيرة
آخر أمانة لا تُفتح بمفتاح.
سامح شاف الجملة واتغير وشه.
قلت
إنت فاهم حاجة؟
هز رأسه ببطء.
أكتر مما تتخيلي.
لكن قبل ما يكمل...
سمعنا صوت انفجار خفيف جاي من بعيد.
لفينا بسرعة.
وفي الأفق ناحية المخزن رقم 17 طلع عمود دخان أسود.
قلبي وقع.
المخزن!
حد دخل بعدنا.
أو بيحاول يمحي أي أثر.
سامح شدني من إيدي.
لازم نمشي حالًا.
ركبنا عربية أجرة بسرعة.
وطول الطريق كان ساكت.
لحد ما وصلنا لطريق زراعي بعيد.
فجأة
نزلنا.
وكان قدامنا بيت صغير قديم.
مهجور من بره.
لكن واضح إنه متستخدم.
طلع سامح مفتاح من جيبه وفتح الباب.
دخلت وراه.
وأول ما دخلت اتفاجئت.
البيت كله مليان ملفات.
وصور.
وخرائط.
وعلى الحائط الرئيسي كانت فيه خريطة كبيرة لمصر.
عليها 18 دائرة حمرا.
17 منهم متشطب عليهم.
والدائرة الأخيرة بس هي اللي متعلم عليها بسهم أسود.
قربت من الخريطة.
ولقيت السهم بيشير لمكان واحد.
قرية صغيرة جدًا.
اسمها مألوف بشكل غريب.
فضلت أبص للاسم ثواني.
ثم شهقت.
لأنها كانت نفس القرية اللي اتولدت فيها أمي.
أو الست اللي كنت فاكراها أمي.
سامح قال
هناك البداية... وهناك النهاية.
ثم مشى ناحية مكتب قديم.
وفتح درج سفلي.
وطلع ملف بني سميك.
عليه بخط يد أمي
يفتح بواسطة هناء فقط.
مدهولي.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.
أول صفحة كانت رسالة.
مكتوب فيها
يا هناء...
إذا وصلتي للملف ده، يبقى معناه إن حد سبقنا للصندوق الثامن عشر.
كملت قراءة بسرعة.
متخافيش من الحقيقة... لكن خافي من الشخص اللي هيحاول يغيّرها.
ثم الصفحة اللي بعدها كانت عبارة عن صورة.
صورة حديثة جدًا.
متصورة قبل وفاة أمي بأسابيع قليلة.
وأول ما شفت الشخص اللي واقف جنبها...
وقعت الصورة من إيدي.
لأن الشخص ده...
كنت شوفته قبل كده.
مش في الصور القديمة.
ولا في الملفات.
لكن في يوم دفنة أمي نفسها.
كان واقف بعيد وسط الناس.
يراقب الجنازة.
وبمجرد ما لمحني يومها...
اختفى وقعت الصورة من إيدي، وفضلت أبص لها على الأرض.
نفس الوش.
نفس النظرة الحادة.
راجل متوسط العمر، شعره فيه شوية شيب، ولابس جلابية عادية جدًا تخليه يبان واحد من أهل البلد.
لكن أنا متأكدة إني شوفته يوم الدفنة.
كان واقف بعيد عند سور المقابر.
ولما بصيت له وقتها، لف ومشي بسرعة.
سامح التقط الصورة وسألني
إنتِ عرفتيه؟
قلت
كان في جنازة أمي.
اتجمد مكانه.
متأكدة؟
هززت رأسي.
فتح الملف بسرعة وقلب عدة صفحات.
ثم أخرج صورة أقدم لنفس الرجل.
وتحتها اسم مكتوب بخط أمي
محمود عزت.
وتحت الاسم جملة قصيرة
آخر شخص قابلته قبل إخفاء الأمانة الأخيرة.
ساد الصمت في الغرفة.
ثوانٍ طويلة.
ثم لفت انتباهي شيء غريب.
في آخر الصورة الحديثة كان فيه انعكاس زجاجي.
كبرت الصورة وقربتها من عيني.
وكان واضح إن أمي كانت واقفة أمام واجهة محل أو مبنى.
وفوقها لافتة.
نصف الاسم فقط ظاهر.
...واني
فضلت أركز.
ثم انتفض سامح فجأة.
الميناء الجواني!
بصيت له باستغراب.
قال
مكان قديم على أطراف القرية... كان مخزن غلال زمان.
ثم سكت وأضاف
وهو المكان الوحيد اللي ما لقيناهوش في سجلات أمي.
في اللحظة دي رن هاتف البيت الأرضي.
اتخضيت.
البيت