حين شَطَبَني ابني من قصّته للكاتبه نرمين عادل همام

لمحة نيوز

حين شطبني ابني من قصته للكاتبه نرمين عادل همام 
استيقظت وحدي في صباح يوم ميلادي السادس والأربعين تماما كما فعلت طوال الأعوام الخمسة عشر الماضية.
كان الصمت يملأ شقتي الصغيرة في حي المعادي حتى شعرت أن الجدران نفسها أوسع من قدرتي على الاحتمال. جررت خطواتي نحو المطبخ لأعد قهوتي الصباحية فوجدت بطاقة وحيدة حزينة موضوعة على الطاولة مرسلة من الجمعية الخيرية الجهة الوحيدة التي ما زالت تتذكر يوم مولدي.
وضعت صورة راشد التي توقف بها الزمن منذ خمسة عشر عاما أمامي. هي آخر صورة أملكها له. لمست وجهه من خلف الزجاج وتذكرت ذلك الصبي الصغير الذي لم يكن ينام يوما دون قبلة ما قبل النوم مني والذي كان يهرع إلى سريري ليختبئ في حضني أثناء العواصف الرعدية.
كيف وصلنا إلى هنا
وكيف أصبحت تلك الأم التي يتظاهر ابنها بأنها غير موجودة
لم يكن العمل في نوبات مضاعفة كممرضة بعد أن تركنا والده خيارا بل كان وسيلة للبقاء. كل ساعة إضافية قضيتها في العمل كانت تعني أن راشد سيحصل على الكتب التي يحتاجها والمعدات الرياضية وفي النهاية تكاليف الجامعة التي سددتها بالكامل من مالي الخاص.
لكن في نظره ترجمت تلك الساعات إلى إهمال وهجر.
أصبحت حيطته المالية في نظره سيطرة وأصبح إرشادي له تدخلا في شؤونه.
وجاءت نقطة الانهيار النهائية بسبب خمسة آلاف دولار فقط.
قال لي حينها بحماس شديد وعيناه تلمعان بتلك النظرة التي أعرفها جيدا
يا ماما الفرصة دي مبتتكررش الشركة دي هتكسر الدنيا في السوق.
قلت له بصوت حاولت أن يكون ثابتا
مش هقدر يا راشد. الفلوس دي محوشاها للطوارئ.
تجمد وجهه بتعبيرات لم أر مثلها من قبل ثم قال بمرارة
إنت دايما كده بتحبي السيطرة ومبتثقيش في حد. إزاي بتقولي

إنك بتحبيني وإنت مش واثقة في
فخرجت من فمي كلمات ندمت عليها كل يوم منذ تلك اللحظة
إنت عايز فلوسي مش حبي.
وفي صباح يوم ميلادي ذاك اتخذت قرارا بألا أقضي ذكرى سنوية أخرى في عزلة.
بعد ثلاث ساعات كنت أركن سيارتي أمام منزله في حي التجمع
وكان المنزل جميلا مكونا من طابقين في منطقة لم أكن لأستطيع تحمل تكاليفها يوما براتبي كممرضة.
من خلال النافذة استطعت رؤية البالونات وبالطبع فنحن نتشارك يوم الميلاد نفسه وابني يتم عامه الأربعين اليوم.
ارتجفت يداي وأنا أضغط على جرس الباب.
وفجأة سكتت أصوات الضحك في الداخل.
اقتربت خطوات ثم ظهر راشد. بدا ناجحا بقميصه الفاخر لكن وجهه قسا فور رؤيتي.
سألني ببرود
إنت بتعملي إيه هنا
وقعت الكلمات بيننا كثلج مفاجئ.
وقبل أن أتمكن من الرد ظهرت امرأة بجانبه ياسمين زوجته التي نظرت إلي بازدراء بارد.
قال راشد وهو يشرع في إغلاق الباب
النهارده مش وقت مناسب.
لكن قبل أن يغلقه تماما لمحت طفلا يركض في غرفة المعيشة صبيا لم أقابله قط.
إنه حفيدي.
همست بتوسل
لو سمحت أنا بس عايزة أقول لك كل سنة وإنت طيب.
فرد علي بحدة
إنت مش مرحب بيك هنا. أنا كنت واضح في الكلام ده.
ثم أغلق الباب في وجهي.
وتركني واقفة وحدي على الشرفة والدموع تنهمر على وجنتي بينما استؤنفت الحفلة في الداخل دون أن تفقد إيقاعها
خمسة عشر عاما من الفراق ولم يستطع ابني الوحيد أن يمنحني خمس دقائق في يوم ميلادنا المشترك.
قدت سيارتي عائدة إلى المنزل وأنا أتساءل
أيهما أكثر إيلاما
أن أرفض مرة أخرى أم أن أعرف أن هناك طفلا في الداخل لا يعرف حتى بوجودي
مرت الشهور وحاولت دفن نفسي في العمل التطوعي بالمكتبة المحلية حيث الكتب التي تحتاج إلى تنظيم
لا تحاكمك ولا ترفضك حين شطبني ابني من قصته للكاتبه نرمين عادل همام 

هناك التقيت ب ليلى محامية متقاعدة أنيقة ذات عينين حادتين لا يفوتهما شيء.
قالت لي ذات بعد ظهر وهي تجلس على الكرسي المقابل
إنت شايلة حاجة تقيلة قوي جواك يا عزيزتي أنا عارفة النظرة دي.
في البداية حاولت التهرب لكن أسلوب ليلى المباشر اخترق حصوني وسرعان ما قصصت عليها كل شيء عن راشد والقطيعة وكارثة يوم ميلادي.
سألتني
جربتي تكتبي له
ضحكت بمرارة وقلت
بعت له رسايل وإيميلات وبطاقات أعياد ميلاد طول الخمستاشر سنة يا إما كانت بترجع من غير ما تتفتح يا إما بيتجاهلها تماما.
هزت ليلى رأسها بتفكير وقالت
بس هل كتبتي الحقيقة مش اللي فاكرة إنه عايز يسمعه الحقيقة المجردة
في تلك الليلة كتبت بيدي حتى تشنجت أصابعي وسكبت كل شيء على الورق.
شرحت كيف أن طبيعتي المتحكمة نبعت من رعب فقدانه كما فقدت والده وكيف أن مراقبته من بعيد عبر المعارف المشتركين كانت خيطي الوحيد بالحياة وكيف كنت أتوق بشدة لمعرفة حفيدي.
لم أقدم أعذارا
قدمت الحقيقة والاعتذار فقط.
بعد ثلاثة أسابيع وصل طرد بريدي.
ارتجفت يداي وأنا أفتحه والأمل يرتفع في صدري كفقاعة حمقاء
وفي الداخل
كانت قطعا ممزقة من رسالتي.
كانت في الطرد قصاصات صغيرة من رسالتي الممزقة
ومعها ورقة صفراء صغيرة كتب عليها ببساطة جارحة
بطلي تحاولي تدخلي حياتنا.
جلست بلا حراك وقلبي الممزق متناثر في حجري تماما مثل تلك الرسالة.
في خزانة غرفتي كان هناك صندوق صغير
يحتوي على هدايا أعياد ميلاد لم ترسل طوال خمسة عشر عاما
لحفيد لا يعرفني.
وفي تلك الليلة
أضفت الرسالة الممزقة إلى تلك المجموعة.
في اليوم التالي بالمكتبة سمعت أحد
المعارف يذكر أن راشد تمت ترقيته إلى منصب نائب رئيس قسم التسويق في شركة برايت باث

وليس شركة التقنية التي طلب مني خمسة آلاف دولار لأجلها يوما.
قادني الفضول إلى البحث أكثر
وكشف الإنترنت أن تلك الشركة التقنية أفلست بعد عامين فقط من خلافنا.
أما وسائل التواصل الاجتماعي لراشدحين شطبني ابني من قصته للكاتبه نرمين عادل همام 
فأظهرت حياة منسقة بعناية
عائلة جميلة
عطلات في أماكن غريبة
وتحت إحدى صور الشاطئ كتب
احتفل بترقيتي من يحتاج إلى عائلة حين يمتلك النجاح
أغلقت الحاسوب.
وحل علي هدوء غريب.
خمسة عشر عاما من التوسل من أجل فتات العاطفة كانت كافية.
قررت أن أتوقف عن القتال من أجل شخص شطبني من قصة حياته تماما.
في تلك الليلة أخذت كل البطاقات والهدايا التي لم ترسل
وأغلقتها في حاوية تخزين.
لم أرمها لم أكن مستعدة لذلك بعد
لكنني اعترفت أخيرا بأنها تنتمي إلى واقع لن يوجد أبدا.
همست في غرفتي الفارغة
حان الوقت أعيش لنفسي.
ولم أكن أدرك وقتها كم سيكون هذا القرار جذريا.
بعد عام واحد
لم أعد أعرف حياتي القديمة.
كبرت دائرتي الصغيرة من الأصدقاء
انضممت إلى نادي كتاب
وجربت التمارين المائية بإصرار من ليلى.
وفي أحد الأيام بينما كنت أدفع ثمن بقالتي
سألني البائع
تحبي حاجة تانيةحين شطبني ابني من قصته للكاتبه نرمين عادل همام 
ثم أشار إلى شاشة الجائزة الكبرى التي وصلت إلى 220 مليون دولار وقال
الناس كلها بتشتري تذاكر النهارده.
لم أكن ألعب اليانصيب قط.
عملي كممرضة ورؤيتي للمرضى وهم يقامرون بإيجار بيوتهم جعلتني أنفر من ألعاب الحظ.
لكن شيئا ما ربما شعوري بالإنجاز لمرور عام كامل دون أن أتصل براشد 
جعلني
أتوقف وأقول

ليه لأ إديني واحدة لو سمحت.
وأعطيته دولارين.
ظلت التذكرة منسية في حقيبتي ثلاث ليال كاملة.
وفي الليلة الثالثة بينما كنت أشاهد نشرة الأخبار أثناء العشاء
قال المذيع
أرقام الجائزة الكبرى الليلة هي
تجمدت يداي في منتصف اللقمة.
ظهرت الأرقام ببطء على الشاشة.
مددت يدي إلى حقيبتي أخرجت التذكرة المجعدة
تحققت مرة
ثم
 

تم نسخ الرابط