حين شَطَبَني ابني من قصّته للكاتبه نرمين عادل همام

لمحة نيوز


فيها من هو.
وضعت ليلى كوبها بدقة وسألت
خطوتك الجاية إيه
قلت
مش عارفة جزء مني عايز يفضحه ويقول لعمر كل حاجة بس ده هيكسر قلب الولد.
قالت بهدوء
والجزء التاني
نظرت إليها بثبات
عايز يعرف لحد فين وصل الخداع ده.
في اليوم التالي رتبت لي ليلى لقاء مع ناصر محقق خاص محترف.
قالت لي
ده بس جمع معلومات مفيش أي حاجة غلط.
وجاءت نتائج ناصر أسوأ من كل شكوكي
راشد غارق في الديون قروض عقارية بطاقات ائتمان وصلت أقصى حد قروض بفوائد عالية وفضيحة شركة برايت باث شملت حملات تسويقية مضللة وكان توقيع راشد على الموافقات.
قال ناصر بجدية
راشد مهدد بالفصل والشركة فاتحة تحقيقات داخلية.
وهنا بدأت أفهم اللعبة كاملة حين شطبني ابني من قصته للكاتبه نرمين عادل همام 
كان أكثر ما أزعجني في تقارير ناصر ما وجده في سجلات مدرسة عمر فقد تقدم راشد وياسمين بطلب لنقله إلى مدرسة دولية في لندن وهو طلب يتطلب إيداعا ماليا ضخما وإثبات سكن هناك خلال ثلاثين يوما فقط.
كانا يخططان للهروب مستخدمين مالي.
ازداد ضغط راشد علي وصارت تلميحاته أقل ذكاء وأكثر فجاجة.
قال لي في إحدى المكالمات
مدرسة عمر بقت مكلفة جدا ومع وضع سوق العقارات الحالي ممكن نضطر نعمل تقشف جامد.
وفي محادثة فيديو كان يفترض أن يريني فيها عمر مشروعه العلمي ظهرت خلف ياسمين عن غير قصد كتيبات استثمارية لمشروعات عقارية في لندن.
كنت أحافظ على قناع التعاطف بينما أنصب فخي بهدوء.
ذكرت أمامهما نيتي زيارة مستشار مالي لتعديل وصيتي لتشمل عمر وتركت ياسمين تصادف رؤية كشوف حسابات مصرفية ضخمة في حقيبتي خلال لقاء قصير للقهوة.
لم تكن تلك الكشوف سوى جزء صغير من ثروتي لكنها كانت كافية

للإيقاع بهما تماما.
همست لليلى بعد أن وصفت لها ما أفعل
ده غلط أنا بقيت بعرف أحسب زيهم.
ضغطت ليلى على يدي وقالت
الفرق إن هدفك إنقاذ طفل وهم هدفهم يستغلوك ويهربوا.
في تلك الليلة وصلتني رسالة من عمر
جدتي بابا وماما بيتخانقوا كتير. سمعتهم بيتكلموا عن لندن. بابا بيقول إنك الحل لكل حاجة لو الصفقة تمت قريب. يعني إيه ده
حدقت في الهاتف بقلب مكسور.
كتبت له
مش متأكدة يا حبيبي بس متقلقش أنا هنا دايما علشانك مهما حصل.
وكان وعدا لن أخلفه على عكس كل وعود راشد.
دعاني راشد لعشاء نحن الاثنين فقط.
اختار مطعما فخما في القاهرة يفوق كثيرا إمكانياته المالية الحالية.
جلست أمامه تحت الإضاءة الخافتة ولا يزال بإمكاني رؤية بقايا الصبي الذي ربيته خلف ملامح الرجل اليائس.
بدأ حديثا بدا محفوظا جيدا عن لم شمل العائلة وقال بتواضع مصطنع
كنت عنيد ومتمسك بمظالم قديمة وكان لازم نتوحد كأسرة.
لاحظت كيف كانت عيناه تلمحان إلى حقيبتي.
ثم قال
عمر بيحبك قوي وجودك في حياته فارق معاه.
مال نحوي وخفض صوته
عايز أتكلم معاكي في فرصة مهمة ممكن تحل مشاكل كتير في وقت واحد.
وها قد بدأت اللعبة.
قال بحماس
أنا ناوي أعمل شركة استشارات للامتثال الأخلاقي في التسويق الدوائي سخرية مش كده بعد اللي حصل!
ضحك ضحكة جافة ثم أكمل
تكلفة البداية تقريبا نفس حجم الديون اللي علي.
وختم
ده استثمار في مستقبل عيلتنا ولو ساعدتيني هتكوني جزء دايم من حياة عمر.
كان يبيع لي حق رؤية حفيدي مقابل المال.
قلت بهدوء
إنت مش بتطلب صدقة إنت بتعرض شراكة.
أومأ بلهفة
بالضبط ولندن هتبقى بداية جديدة.
وأكد أن مقعد عمر في أكاديمية كامبريدج الدولية يحتاج عربونا
خلال أسبوع.

وفي تلك الليلة كتب لي عمر
بابا قال لازم يخلص الصفقة مع العجوز قبل ما تغير رأيها يقصدك.
جلست في الظلام ولم أعد أحزن على فقدان علاقتي بابني بل على الرجل الذي صار عليه.
وقد حان وقت إنهاء هذه المسرحية.
استقبلت راشد وياسمين وعمر في منزلي الجديد بترحاب
أنا سعيدة جدا بزيارتكم.
كان منزلي مريحا غير مبالغ فيه عمدا لكن عيني ياسمين كانتا تقيمان كل قطعة أثاث.
قال راشد
مكان جميل تحسن كبير.
أجبته بغموض
بيع أرض العيلة مشي كويس.
وقلت لعمر
تحب تشوف أوضتك عندنا تلسكوب في الشرفة.
وطوال عطلة نهاية الأسبوع راقبت تمثيلهما لدور الوالدين المثاليين
بينما كان نفاد صبرهما الحقيقي يظهر في اللحظات العفوية.
وكان عمر يستحق أكثر من كل هذا.
حين شطبني ابني من قصته للكاتبه نرمين عادل همام 
كان عمر يهدأ شيئا فشيئا في وجودي تختفي تشنجاته العصبية وتلمع عيناه حين يتحدث عن العلوم والتاريخ بشغف ممتع.
كان يذكرني كثيرا براشد في ذلك العمر قبل أن تستقر المرارة في قلبه إلى الأبد.
بعد ظهر يوم السبت وبينما خرج راشد وياسمين في نزهة قصيرة فتح عمر حقيبة والده وأراني كراسة صغيرة وقال بصوت متردد
دي بتاعة أكاديمية كامبريدج الدولية شنطة بابا كانت مفتوحة وشوفتها.
أنا مش عايز أروح هناك يا جدتي كل صحابي هنا ولسه لاقيتك.
ضممته بقوة وقلت وأنا أكتم رجفة صوتي
مهما حصل مش هنضيع بعض تاني. أوعدك.
في تلك الليلة أعددت عشاء خاصا قضيت اليوم كله أطبخ أطباق راشد المفضلة في طفولته
لحم مشوي مع الجزر والبطاطس خبز ساخن وفطيرة تفاح للتحلية.
وأثناء العشاء تبادل راشد وياسمين نظرات واثقة كأنهما يظنان أن هذه الوجبة العاطفية إعلان
استسلام.

بعدها دعوتهم جميعا إلى غرفة المعيشة وقلت بهدوء
عندي حاجة مهمة لازم أقولها.
مالا للأمام بلهفة.
تابعت
من خمستاشر سنة يا راشد خرجت من حياتي بسبب الفلوس.
بسبب خمسة آلاف دولار رفضت أديهم لك.
والنهارده واضح إن الفلوس هي الحاجة الوحيدة اللي رجعتك.
اختفت ابتسامة راشد فورا
مش عدل يا أمي
رفعت يدي أوقفه ووضعت ملفا على الطاولة
استأجرت محقق خاص.
كل حاجة موثقة
كذبة الخرف ديونك خطط لندن اللي مخبيها عن عمر والتحقيق في شركة برايت باث.
عارفة كويس ليه افتكرت فجأة إن لك أم بعد خمسطعشر سنة.
وقفت ياسمين بعصبية
إنت تجسستي علينا!
قلت بهدوء ثابت
أنا حميت نفسي وحميت عمر.
تحولت صدمة راشد إلى غضب
يعني كل المصالحة دي كانت فخ!
إنت مش أحسن منا!
نظرت إليه وقلت بصوت خافت لكنه قاطع
الفرق إني كنت عايزة حفيدي بصدق
وإنتوا كنتوا عايزين فلوسي وبس.
قاطع عمر الكلام بصوت متألم
يعني الكلام عن مرض جدتي
وعن لندن
ده كله صح يا بابا
ساد صمت ثقيل كان هو الإجابة.
في صباح اليوم التالي اجتمعنا مرة أخرى.
راشد بدا مرهقا ياسمين متوترة وعمر كأن عالمه انهار تحت قدميه.
قلت
عندي عرض.
وضعت مظروفا على الطاولة.
قال راشد بحذر
تقارير تانية
قلت
لا حل.
وشرحت شروطى بوضوح
أسدد ديونكم.
أعمل صندوقا تعليميا لعمر.
تفضلوا هنا.
عمر يقضي عطلة نهاية أسبوع واحدة معي كل شهر.
راشد يواجه مشاكله المهنية بدل الهروب.
ونبدأ جميعا جلسات علاج عائلي.
قالت ياسمين بحدة
إنت بترشينا
صححت لها بهدوء
لا. بقدم طريق للنجاة.
مش برمي فلوس وأستنى المشاكل تختفي زي ما كنتوا ناويين.
صرخ راشد
ما لكش حق تملي علينا
حياتنا!

ابتسمت بهدوء مؤلم
عندك حق.
إنتوا أحرار ترفضوا وتكملوا طريق لندن لو قدرتوا تمولوه.
لكن عمر هيفضل في حياتي في كل الأحوال.
وقانونيا أقدر أطالب بحقوق رؤية الأحفاد خصوصا مع كل التوثيق اللي معايا.
لعمليات الخداع التي قمتما بها.
وقد أعدت محاميتي ليلى الأوراق بالفعل.
كانت مخاطرة محسوبة
فحقوق رؤية الأحفاد ليست سهلة التنفيذ قانونيا
لكن راشد لم يكن يعلم ذلك.
قال بصوت مرتجف
إنت بتبتزينا
أجبته بثبات
أنا بدي فرصة لبناء
 

تم نسخ الرابط