حين شَطَبَني ابني من قصّته للكاتبه نرمين عادل همام
مرة
ثم مرة ثالثة.
كان قلبي ينبض بعنف حتى لم أعد أسمع صوت المذيع وهو يؤكد
لدينا فائز واحد فقط
في منزلي بوسط المعادي
جلست بلا حركة حتى منتصف الليل أحدق في التذكرة.
220 مليون دولار.
لم يكن الأمر حقيقيا
لا يمكن أن يكون حقيقيا
لكنه كان كذلك حين شطبني ابني من قصته للكاتبه نرمين عادل همام
المحامي الذي اتصلت به في اليوم التالي بدا مذهولا مثلي تماما وقال
حضرتك مدركة إن المبلغ بعد الضرايب هيبقى حوالي 128 مليون دولار لو استلمتيه دفعة واحدة
رأسي كان ما يزال مخدرا.
شرح لي إجراءات الخصوصية والصناديق الائتمانية
وأثناء حديثه طفت إلى السطح صورة وجه راشد يوم رفضت إعطاءه الخمسة آلاف دولار
مرارته
اتهامه لي أنني لا أثق به.
والآن أجلس هنا
أحاول استيعاب رقم يفوق الخيال.
قال المحامي بتحذير
مش متخيلة كام شخص هيظهر فجأة في حياتك أفراد عيلة ما سمعتيش عنهم من سنين كلهم هيفتكروا فجأة إنهم قريبين منك قوي.
تعلقت كلمة العائلة في الهواء بيننا.
وبرز في ذهني وجه راشد ثم لمحة حفيدي قبل أن يغلق الباب.
في داخلي استقر شعور غريب
ليس حماسة ولا سعادة
بل قوة.
خمسة عشر عاما كنت فيها بلا حيلة أتوسل الحب
والآن
لأول مرة
أنا من يمسك زمام الأمور.
قلت بهدوء
ابدأ في تأسيس الصندوق الائتماني وخلينا نناقش إزاي نحافظ على الموضوع ده في أضيق نطاق ممكن.
وكان هذا
بداية فصل جديد تماما من حياتي.
سرت تحت أشعة الشمس الساطعة وشعرت بشيء لم أختبره منذ سنوات شعرت بالقوة.
مرت ستة أشهر وأنا ألتزم بتوجيهات مستشاري المالي. أسست صندوق عائلة ويلسون الائتماني لاستلام أموال الجائزة مع الحفاظ على مستوى معيشة بسيط في الظاهر.
لم
لاحظت ليلى ذلك وهي تشرب القهوة معي وقالت ضاحكة بالعامية
إنت أكتر واحدة كسبت نصيب وانضباط شفتها في حياتي.
ابتسمت وقلتحين شطبني ابني من قصته للكاتبه نرمين عادل همام
اتعلمت الانضباط وأنا بربي طفل براتب ممرضة وبعدين الصرف المبالغ فيه بيجيب الكلام.
ومع ذلك سمحت لنفسي برفاهية واحدة محسوبة شراء منزل جميل من ثلاث غرف نوم في حي هادئ وراق.
ولما الناس سألتني عن مصدر المال قلت باستخفاف
إنني بعت قطعة أرض عائلية كانت عالقة في نزاعات قانونية منذ سنوات.
بعد ستة أشهر من استلام الجائزة بينما كنت أرتب الكتب في المكتبة اهتز هاتفي بإشعار بريد إلكتروني.
توقف قلبي عندما رأيت اسم المرسل راشد.
كتب لي
ماما عدى وقت طويل. سمعت من حد من المعارف إنك نقلتي بيت أحسن. كل حاجة تمام يمكن نتكلم في وقت ما.
خمسة عشر عاما من الصمت وهذه الرسالة العابرة وكأن شيئا لم يكن.
استندت إلى رف الكتب ويداي ترتجفان.
في تلك الليلة بحثت عن أخبار شركة برايت باث واكتشفت أنها متورطة في فضيحة أخلاقية تسويقية وعدد من التنفيذيين يخضعون لتحقيق داخلي وظهر اسم راشد في أكثر من مقال.
لم يكن التوقيت مصادفة.
اهتمام راشد المفاجئ بعد خمسة عشر عاما جاء متزامنا تماما مع انهيار حياته المهنية ومع سماعه إشاعات أنني ربما حصلت على بعض المال.
كتبت له ردا محسوباحين شطبني ابني من قصته للكاتبه نرمين عادل همام
راشد كويس إني سمعت منك. آه بعت شوية ممتلكات للعيلة ونقلت حي أأمن. عامل إيه وإيه أخبار العيلة
جاء رده في دقائق أطول وأدفأ
تحدث عن صعوبة عمله وعرفني بحفيدي
عمر بقى عنده 12
هل أراد فعلا أن يراني
أم أرادني لأنه احتاج شيئا
حدقت في الهاتف وشعرت بهدوء غريب.
طوال خمسة عشر عاما كنت سأعطي أي شيء مقابل هذه الدعوة لكنها الآن بدت جوفاء.
ومع ذلك كان هناك عمر.
طفل بريء يستحق أن يعرف جدته مهما كانت دوافع والديه.
كتبت له
يسعدني جدا.
واختار راشد مطعما فخما على النيل.
وصلت مبكرا أرتدي فستانا أزرق بسيطا أنيقا.
وكان التنازل الوحيد الظاهر لثروتي الجديدة سيارة دفع رباعي فولفو اشتريتها بحجة أنها أكثر أمانا لزيارات حفيدي.
وصل راشد وياسمين وعمر في الموعد تماما.
راشد بدا أنحف والتوتر محفور في وجهه.
ياسمين في قمة الأناقة لكن عينيها تفحصانني ببرود.
أما عمر فكان طويلا بالنسبة لعمره يحمل عيني أبيه وحذرا كسر قلبي.
قلت له بلطف وأنا أكتم رغبتي في ضمه
أنا سعيدة جدا إني أخيرا قابلتك يا عمر.
نظر إلى أبيه بتردد ثم مد يده رسميا وقال
تشرفت بمعرفتك يا مدام ويلسون.
ابتسمت
ممكن تقولي لي جدتي أو مارجريت اللي يريحك.
وخلال الغداء كان راشد يعدد إنجازات عمر كأنه يقدم سيرة ذاتية.
وحين جاءت الفاتورة بدأ راشد يفتش في جيوبه وقال تمثيلا
شكلي نسيت المحفظة.
ابتسمت بهدوء وسددت الحساب.
وفي موقف السيارات قال
إحنا بيمر علينا وقت صعب ومصاريف مدرسة عمر الدولية جاية.
أومأت برأسي دون وعد.
وقبل أن نغادر اقترب عمر مني وهمس
إنت مش مريضة بابا قال إن عندك مرض في المخ.
تجمد قلبي.
وبعدها ركض نحوي وأمسك هاتفي وكتب رقمه ورسالة
ممكن نتكلم أحيانا
وهنا
لم تكن دموعي حزنا.
كانت بداية غضب سيغير كل شيء.
دخلت إلى المكتب الأمامي فابتسمت الموظفة وقالت
حضرتك أكيد جدة عمر هو متحمس جدا إنك موجودة النهارده.
وفي الردهة التقيت بالسيد سمير معلم التاريخ صافحني بحماس وقال
مدام ويلسون! عمر قال لنا إنك ممكن تيجي تشرفنا أخيرا.
نظرت إليه باستغراب وقلت
أخيرا
تردد قليلا ثم قال
أصل بعد كل السنين اللي بنسمع فيها عن حالتك صراحة مدهش نشوفك بصحة كويسة كده. عمر عمل مشروع كامل السنة اللي فاتت عن الأمراض العصبية اعتمادا على تجربتك.
شعرت وكأن الأرض تميد بي.
سألته بصوت مبحوح
حالتي
ارتبك فجأة وقال
الخرف المبكر راشد كان بيشرح في كل اجتماع لأولياء الأمور إن حضرتك مش قادرة تسافري ولا تتعاملي مع المواقف الاجتماعية وعمر حتى جمع تبرعات للأبحاث الطبية علشان حالتك.
صمت المعلم عندما رأى تعبير وجهي فأدركت أنني لم أكن أعلم شيئا.
استندت إلى الحائط لأتماسك.
لم يكتف راشد بشطبي من حياتهم بل اختلق قصة كاملة تصورني كعاجزة عقليا بينما كنت أرسل البطاقات والرسائل وأتوسل لأكون جزءا من حياته.
بدأت العروض قبل أن أستوعب هذه الحقيقة البشعة.
جلست في الصف الأخير أتابع عمر وهو يتحدث بثقة عن تاريخ عائلته يدمج ما شاركته معه في رسائلنا بمهارة.
وحين رآني أضاء وجهه لحظة قصيرة ثم واصل عرضه.
بعد انتهاء العروض رأيت راشد وياسمين يدخلان الردهة يبحثان بين الحشود.
شحب وجه راشد فور أن رآني أتحدث مع السيد سمير.
جذبني جانبا وهمس بفحيح
إنت بتعملي إيه هنا!
قلت بهدوء رغم ارتجاف يدي
عمر دعاني وبالمناسبة السيد سمير ذكر حالتي الصحية الخرف اللي إنت بقالك سنين بتقوله للناس.
زاغت عيناه في المكان وقال
مش ده المكان المناسب.
قلت بثبات
متفقة بس الموضوع ده هنتكلم فيه قريب قوي يا راشد.
وأثناء
إنت جيتي!
ضممته وكان ذلك أول عناق بيننا.
ومن فوق كتفه رأيت نظرة راشد باردة مليئة بالحسابات.
لأول مرة منذ خمسة عشر عاما لم أكن أنا الطرف الضعيف.
حين أخبرت ليلى بما حدث كادت تسكب كوب الشاي وقالت بذهول
ده تصرف وحشي يا مارجريت!
أومأت برأسي وقد تحولت الصدمة داخلي إلى غضب لم أعرفه من قبل.
وأنا أرسل الهدايا كان يخبر حفيدي أنني مريضة لدرجة لا أعرف