قصة جديدة

لمحة نيوز

 

تاني يوم، قلت لـ طارق إني رايحة عند أمي شوية. رد ببرود: "تمام.. ابقي هاتي حاجات من عندها وإنتي راجعة." بصته كانت طبيعية أوي، وده اللي زاد وجعي.. إزاي حد يقدر يمثل بالبراعة دي؟ ركبت تاكسي وروحت العنوان اللي لقيته.بقلم نرمين عادل همام الطريق كان طويل، والسواق كل شوية يبص لي في المراية كأنه مستغرب إني رايحة منطقة مخازن مقطوعة زي دي لوحدي.

نزلت قدام بوابة حديد كبيرة، عليها صدى السنين، ومكتوب عليها اسم عيلة طارق بحروف باهتة. المكان كان مخزن مهجور وريحته تراب وزيت قديم. طلعت المفتاح، حطيته في القفل الجانبي.. لفّ بسهولة وفتح بصرير طويل يوجع الودن.

أول ما دخلت، حسيت إن فيه عيون بتراقبني رغم إن المكان فاضي. مشيت لحد ما لقيت مكتب خشب قديم عليه ملفات. فتحت الدرج وإيدي بتترعش.. لقيت ظرف عليه اسمي! "هناء". الدم نشف في عروقي. فتحت الظرف ولقيت صور ليا.. صور من سنين؛ وأنا خارجة من الجامعة، وأنا في السوبر ماركت، وأنا ماشية في الشارع.. صور متصورة من بعيد، ومعاها تقارير: "الخميس 3:15.. خرجت من الشغل.. قابلت فلانة.."

قعدت على الكرسي غصب عني.. ليه كل ده؟ فتحت ملف تاني لقيت تحاليل طبية وفواتير دكاترة ما

يعرفهاش غيري وغير بيتنا، ولقيت ورق فيه بيانات ميراث أبويا وأرض كانت عليها نزاع زمان. افتكرت كلام أمي إن فيه حد كان بيكره أبويا وحلف يفضل وراه.. واضح إن القديم ماماتش، ده رجع يعض.

مشيت لآخر المخزن لقيت خزنة حديد كبيرة عليها نفس علامة المفتاح. فتحتها.. مكنش فيها دهب، كان فيها أوراق قانونية: عقد بيع لنصيبي في ميراث أبويا بتوقيع مزور باسمي! وخطاب رسمي عن "سفر علاجي" خارج البلاد بحجة إن حالتي النفسية متدهورة وإن جوزي هو الوصي عليا في كل شيء. يعني خطة كاملة لكسري والاستيلاء على كل حاجة.

فهمت وقتها إن طارق لما جاب الموبايل الجديد مكنش بيحتفل.. ده كان بيمسح طريقه، وعاوز الموبايل القديم يختفي لأن فيه "سنارة" لو مسكت في هدومهم تشدهم كلهم. وعبير أختي.. أختي كانت جزء من الحكاية، طمع بقى ولا ديون، المهم إنها خيانة.

طلعت من المخزن وروحت لمكتب محامي كان أبويا بيتعامل معاه زمان. حكيت له كل حاجة ووريته الفيديو والورق، شد نفس طويل وقال: بقلم نرمين عادل همام"إنتي جيتي في آخر لحظة.. دي جريمة تزوير وتآمر واستيلاء."

روحت عند أمي، وأول ما شافت وشي بيبقى سقف فوق الراس لما الدنيا تقع. طارق اتصل كتير، في الأول كان

ناعم وبعدين صوته اتحول لغضب، وأنا مكنتش برد غير بكلمة: "أنا بخير."

بعد يومين الشرطة راحت البيت واتقبض عليهم، وفي النيابة شفته مكبل.. كان لابس نفس القميص اللي كنت بجيب له زيه. قربت منه وقلت له بصوت واطي: "الموبايل الجديد اللي جبته عشان تمسح القديم.. هو اللي خلى القديم يتكلم." سكت، ملقاش رد، لأنه اتقفش من تفصيلة صغيرة محسبلهاش حساب. عبير كانت قاعدة بعيد بتعيط وتقول إنها كانت "بتساعد نفسها" عشان ديونها، وأنا سامعة الكلام كأن حد بيبرر سكينة في ضهري.

القضية خدت وقت، وأنا اتعلمت إن الهدوء مش دايمًا أمان، وإن الكلام الحلو مش دليل حب. اتعلمت أركز في التفاصيل الصغيرة: ليه كان بيقفل موبايله بسرعة؟ وليه كان بيقولي "ابعدي عن ورق أبوكي وسيبيه للزمن"؟ كنت فاكرة ده احترام.. طلع إبعاد مقصود عشان يخلصوا عليا بدم بارد.

ومع كل ده، أقسى لحظة ما كانتش لحظة الفيديو.. ولا لحظة المخزن.. ولا حتى لحظة القبض. أقسى لحظة كانت لما قعدت لوحدي ليلة، وافتكرت نفسي وأنا بفتخر بيه قدام الناس، وقلت في سري: "يا ريتني كنت أقل انبهار.. وأكتر انتباه."

بس بعد شوية، وقفت قدام المراية، وبصيت لنفسي، وقلت: "اللي حصل مش عيبك.. العيب في

اللي خان." وده فرق كبير. لأنك لما تلومي نفسك زيادة، بتساعدي اللي أذاكي إنه يكسب مرتين؛ مرة لما خانك، ومرة لما خلاكي تكرهي نفسك.

في النهاية، الحكم طلع: تزوير وتآمر ومحاولة استيلاء على ممتلكات. مش هقول تفاصيل سنين ولا أرقام، لأن الأرقام عمرها ما بتداوي الوجع. اللي بيداوي بجد هو إنك ترجعي تحسي إنك "بني آدمة" وليكي إرادة، مش مجرد لعبة في إيد حد.

رجعت شغلي بالتدريج، ورجعت أعيش، بس بحذر "صحي". قطعت علاقتي بعبير أختي لفترة طويلة.. مش كره فيها، بس لأني محتاجة أتعافى بعيد عن مصدر الوجع. وأوقات كتير، التعافي بيحتاج مسافات وسكوت أكتر ما بيحتاج عتاب وكلام.

النهاردة، كل ما أبص للموبايل الجديد اللي كان المفروض يبقى "هدية عيد جوازنا"، بحس إن الهدايا ساعات بتبقى زي المراية؛ بتوريكي وشوش الناس على حقيقتها. وبدل ما الهدية تمسح الماضي زي ما طارق كان مخطط، هي اللي فتحت باب الحقيقة على آخره.

الفيديو اللي مدته عشر ثواني ده..بقلم نرمين عادل همام كان كأنه عشر سنين بتتقلب قدامي في لحظة واحدة. ومن يومها فهمت إن الحقيقة، مهما كانت مُرة وصعبة، أفضل ألف مرة من حياة كاملة مبنية على تمثيلية رخيصة. أنا لسه بتوجع، ده حقيقي.

. بس مابقيتش مخدوعة، وده في حد ذاته مش نهاية، دي أجمل بداية جديدة.

نرمين عادل همام

تمت

تم نسخ الرابط