الخيط الاحمر بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
الخيط الاحمر بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
بتلمح إيدين صغيرين جنب باب الخدمة، ولد "نحيف" بيتحرك زي الضِل، شايل طبق أكبر من حجمه بكتير.
الولد ده، اللي ملامحه هادية ووديعة ، باين عليه إنه اتعلم بدري إن الكبار ممكن يكونوا خطرين. كان بياكل لقمة بسرعة ورا الباب، ومنزل راسه كأنه خايف اللقمة تتسحب منه لو رمش. في الأول هتقول ده طفل جائع حظه حلو إنه قريب من المطبخ.. غلطة صغيرة والمنظم هيصلحها ويطرده في دقيقة.. "لطشة" سودة في لوحة مثالية.
بس لما تركز في وشه.. مش هتلاقي جشع. هتلاقي عينيه "مسكونة".. كأنه عاش مية سنة في جسم طفل، وبيحاول ما يشغلش حيز في عالم مافتحلوش باب قبل كدة.
اسمه "طارق"، بس إنت مش هتعرف ده دلوقتي. دلوقتي هو مجرد "الولد" اللي عينك مش قادرة تسيبه حتى والعروسة داخلة. فيه حاجة فيه مش راكبة على المكان، زي "هرشة" في عقلك مش عارف توصل لها.
المزيكا بتتغير. صوت "المذيع" بيرن في القاعة: "سيداتي وسادتي.. استعدوا لاستقبال أجمل عروسين!" كل العيون راحت ناحية السلم اللي متغطي ورد أبيض. الموبايلات اتصوبت، والضحكات وسعت، والكل اتشرئب برقبته كأنه مستني يشوف "الكمال".
وفجأة ظهرت "نادين". نازلة ببطء، بجمال غالي قوي بس باين عليه بسيط. شعرها الأسود الطويل نازل موجات على كتافها، فستانها بينور من كتر النقاء، وضحكتها هادية تخليك تصدق إن السعادة ممكن تتحضر وتتقدم في طبق فضة. نادين كانت طالعة من قصص الخيال.. بس عينها كانت بتدور على حاجة تانية وسط المعازيم.بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
نادين وقفت فجأة في نص السلم.. المزيكا كملت بس هي اتسمرت. عينها جات في عين طارق اللي واقف ورا الباب بالجاكيت الواسع عليه والطبق اللي في إيده. الكل استغرب، العريس (خالد) قرب يمسك إيدها، بس هي سحبت إيدها وبصت لطارق بلهفة غريبة، ودموعها اللي كانت محبوسة عشان "الميك اب" نزلت وكرّت على خدها.
القاعة كلها سكتت.. الصدمة لجمت الكل. نادين وصلت عند طارق، ونزلت على ركبها بفستانها الأبيض على الأرض، وخدته في حضنها بكل قوتها وهي بتشهق من العياط: نادين: "طارق! يا حبيبي يا طارق.. بقالي سنتين بقلب عليك الدنيا!"بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
طارق ساب الطبق من إيده، وجسمه كان بيترعش، بس لما شم ريحتها، همس بصوته التقيل المبحوح: طارق: "نا.. نادين؟ جيتي.. تآخديني؟"
نادين بصت للناس، وبصت لخالد وأهل العريس اللي واقفين مذهولين، وقالت بصوت مسموع للكل: "ده ابني.. ال ابويا قالي انه مات
لكن فجأة طارق بطل يمضغ.. اتخشب مكانه وكأن فيه حد سحب الروح من جسمه. الشوكة وقعت من إيده وخبطت في الطبق بـ "رنة" خفيفة هزت السكون اللي بدأ يزحف. عينيه اتسمرت على "معصمها".. كأن نَفَسه انقطع فجأة.
نادين كانت لابسة في إيدها انسيال رفيع جداً، خيط أحمر باهت، قديم، ومعقود عقدة شكلها ناجي من عواصف سنين طويلة. طارق وقف وهو بيترعش.. رفع إيده، وكأنه بيتأكد إن ذاكرته مش بتخونه. وهناك، على معصمه هو كمان، كان فيه نفس الخيط، مهري ومقطع بس متشبث بجلده كأنه عهد رافض يموت.
طارق راح لنادين مباشرة، كأن فيه قوة مغناطيسية بتسحبه ليها. طارق (بصوت مبحوح وأجش): بلع ريقه ورفع إيده اللي فيها الخيط، والخيط الأحمر اتهز مع رعشته: طارق: "الخيط ده.. انتى نادين والخيط اهو؟"
نادين (بهمس): "قالوا انه بيجيب الحظ سبع عقد في خيط احمر عملتلك وعملتلي لكن انا جبت انسيال دهب ومررت به الخيط ؟" طارق رفع إيده تاني، وصوته انقطع وهو بيقول: "كان عندي واحد زيه. عم بركات، قالي إن اللي ادتهولي هي أغلى إنسانة في الدنيا."
الهمسات بدأت تنتشر زي العفن في أوضة رطبة. المعازيم بيبصوا لبعض، وعينيهم وسعت من الصدمة. العريس (خالد) اتدخل فوراً.. طويل، أنيق، لابس بدلة متفصلة "بالمللي"، وشه كان هادي بس إيده
خالد (بصوت متوتر): "في إيه يا نادين؟ مين ده؟ وإيه اللي بيحصل؟"
نادين فضلت باصة لطارق فترة طويلة جداً.. طويلة لدرجة تخوفك، طويلة لدرجة تحسسها إنها بتقع جوه "ماسورة" زمن. وفجأة، دموعها انفجرت. نادين (بشهقة قطعت قلب الكل):
"طارق..."
طريقة نطقها للاسم كانت توحي إنها شايلاه في بوقها وكاتمة عليه سنين. نادين: "ده.. ده الاسم اللي اخترته لما كان عندي ١٧ سنة.. اليوم اللي خدوه مني فيه وقالو لي إنه مات!"
نادين رمت الورد، ورمت الطرحة، ونزلت في الأرض حضنت طارق بكل قوتها، والكل عرف إن الفرح ده مكنش فرح زواج.. ده كان جنازة لسر قديم، وميلاد لأم لقت روحها الضايعة وسط الخدم. نادين سقطت على ركبها في نص الممر، وفستانها الأبيض اتفرد حواليها زي ضوء قمر مكسور. باقة الورد اتسرسبت من إيدها ووقعت على الأرض، وكأنها بتعلن نهاية التمثيلية.
نادين (بصوت متقطع وعياط مكتوم): "كنت لوحدي.. كنت مرعوبة. أبويا قال لي لو احتفظت بالولد هيطردني في الشارع.. ولدت في السر، في ليلة زي دي، والمطر كان بيخبط على السطح زي اللكمات. خفت عليا وعليه،ايويا جه واخده وبعدها قالي انسيه دا مات . كنت فاكرة هيلاقيه بسرعة.
القاعة اللي كانت مليانة بأغنى أغنياء البلد، والناس اللي "مناخيرها في السما"، فجأة كلهم بقوا زي الأطفال. الحقيقة العريانة صدمتهم، عرفوا إن الحب قد يكون فوضوي، وإن القسوة أحياناً بتبقى وسيلة للنجاة. المعازيم اللي كانوا بيضحكوا من شوية، بقوا بيمسحوا دموعهم في خجل، والكل نزل عينه في الأرض.
طارق فضل واقف مكانه. مابكيش.. لسه. كان باين عليه إنه ولد محرمش نفسه حتى من "رفاهية الأمل". بس دقنه كانت بترتعش. طارق (بهدوء مرعب): "أنا اتربيت على إيد 'عم بركات'..". نادين وشها اتخطف تاني كأنها انضربت بالرصاص. طارق: "لقاني تحت كوبري. أكلني من اللي كان بيلاقيه.
خالد (العريس) اتخشب مكانه. الكل كان مستني منه ينسحب، يقول "ده كتير عليا"، الكل كان مستني "الأنانية" اللي بيستخبى وراها أصحاب القصور. بس خالد رفع إيده، والصمت نزل على القاعة زي السحر. خالد (بصوت حاسم): "الفرح ده يتأجل فوراً." شهقة مكتومة هزت القاعة. خالد بص للناس وصوته بقى أقوى: "النهاردة أنا مش بتجوز ست وبس، أنا بقبل ماضيها بكل اللي فيه. ولو الولد ده ابنها.. يبقى من النهاردة ابني."
نادين غطت وشها بإيدها وكتفها كان بيترعش من البكاء. بس خالد مخلصش كلامه. بص لطارق، وبعدين بص لنادين، وزعق في الويترز والمنظمين: "جهزوا عربية.. على المستشفى العام. حالا!"
نادين (بذهول ودموع): "ليه يا خالد؟ ليه المستشفى دلوقتي؟" خالد خد نَفَس طويل، وكأنه بيطلع حقيقة كانت مدفونة: "لأعاوز أعرف الولد ده مين وإزاي عاش. والراجل اللي رباه.." صوته اتنبح وهو بيكمل: "'عم بركات'.. اللي لم طارق من الشارع.. يبقى هو 'أبوكي' الحقيقي يا نادين.. الراجل اللي أمك هربت بيه زمان وقالو لك إنه مات انا عارف كدا من عمك ال طول عمرك فاكره انه ابوكي كل دا علشان الفلوس والشركات !"
الصمت انفجر في القاعة.. مابقاش فرح، بقت ملحمة كونية. الجد لقى حفيده، والأم لقت ابنها، والزوج لقى العيلة والحب. نادين فتحت بوقها بس مفيش كلمة خرجت، الصدمة كانت أكبر من أي صوت. خالد كمل كلامه بهدوء فيه هيبة وخشوع:Nermeen Adel
"أبوكي ضاع ومن الكل من سنين.. مكنتش أعرف إنه انتهى بيه الحال في الشوارع. الراجل ده أنقذ ابنك قبل ما إنتي تقدري تعملي ده.. وبدون ما يقصد، أنقذ حتة من روحك كمان عمك الكبير علشان ياخد كل حاجة بحجة انه ال تعب وكبر الاملاك مع جدك قلبه كان قاسي على ابوكي امك هربت ومعرفتش تاخد غير ابوكي وعمك رباكي ورقه رابحة يستفيد منك لو حد عرف ال عمله ينكر ويقول انه ربا بنت اخوه وطبعا كدب عليكي