قلب ام بقلم نرمين عادل همام
بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
قلب ام بقلم نرمين عادل همام
اللحظة اتجمدت في الهوا، كأن الزمن كعبل رجليه قدام التربيزة اللي قاعدة عليها هنا. المكان كان زحمة، أصوات ضحك وشخشخة شوك وسكاكين، ليلة جمعة عادية في مطعم شيك في الزمالك. هنا كانت قاعدة، عينيها في شاشة الموبايل بتابع إيميلات الشغل، مش حاسة بالدنيا اللي حواليها، لحد ما سمعت صوت واطي ومكسور جنبها
يا ست هانم.. ممكن ناخد باقي الأكل ده؟
رفعت راسها ببطء، وعينيها جت في عين الولدين.. وفي اللحظة دي، حسيت إن الأرض بتهز تحت رجليها.
كانوا عيلين صغيرين، جسمهم نحيل وهدومهم مقطعة وواسعة عليهم، وشعورهم منكوشة ووشوشهم مليانة تراب، كأنهم بقالهم سنين بيلفوا في الشوارع. بس هنا مشافتش الفقر ولا التعب.. هي شافت الماضي.
شافت وشوش ولادها التوأم، يوسف وآدم، اللي اختفوا في يوم أسود من جنينة النادي في المعادي قبل ست سنين.
نفسها اتخطف، والشوكة وقعت من إيدها ورنت في الطبق رنة جامدة خلت الولاد يتفزعوا. الولد الكبير رجع خطوة لورا بسرعة وقال بلهفة
إحنا آسفين يا هانم، مش قصدنا نضايقك.. إحنا بس جعانين، ومش عايزين فلوس، والله بس الأكل اللي مش هتاكليه.
هنا فضلت متنحة، عقلها بيقول مستحيل.. بس قلبها كان بيصرخ باسميهم.
شهقت، وقامت وقفت فجأة، والكرسي عمل صوت عالي لفت نظر التربيزات اللي حواليها. قربت منهم خطوة، وسألت وصوتها بيرتعش
إنتوا.. إنتوا اسمكم إيه؟
الولدين بصوا لبعض بنظرة قلق وخوف، كأنهم مش عارفين يهربوا ولا يفضلوا واقفين. الكبير رد في الآخر بلكنة شوارعية
أنا اسمي سيف، وده أخويا زياد.
الدمعة اتجمدت في عينيها.. سيف وزياد.. يوسف وآدم.. تشابه غريب؟ ولا صدفة مستحيلة؟
حطت إيدها على صدرها وهي بتهس سيف.. زياد.. إنتوا لوحدكم؟ فين بابا وماما؟
الصغير نزل عينه في الأرض وقال بصوت مبحوح معندناش حد يا هانم.. إحنا بننام في المأوى أو في الشارع.
كلماتهم كانت كسكين بيشق قلبها نصين. ست سنين من الانتظار، من العياط والتدوير والدعاء، ودلوقتي واقف قدامها طفلين بملامح متتنسيش.. فهل يكون القدر رجعهم ليها بالطريقة الغريبة دي؟ مدّت إيدها ببطء ناحيتهم، كأنها خايفة يختفوا لو لمستهم.
وفي اللحظة دي، لاحظت حاجة تانية.. سلسلة صغيرة فضة في رقبة واحد منهم، منقوش عليها أول حرفين
ارتجف صوتها وهي بتهس بذهول جبت دي منين؟!
الولد رفع راسه بارتباك وقال كانت معانا من زمان.. قالوا لنا إنها بتاعتنا من لما كنا صغيرين.
هنا انهارت على الكرسي، والدموع ملت عينيها. كل خلية في جسمها كانت بتصرخ بالحقيقة.. بس كانت خايفة تنطق بيها.
هل ممكن يكونوا فعلاً ولادها اللي اختفوا قبل ست سنين؟ ولا الحياة بترجع لها الأمل عشان تخطفه منها تاني؟
في اللحظة دي، مابقتش سامعة أصوات الناس حواليها، ولا شايفة الوشوش المستغربة اللي التفتت ناحيتها، ولا حاسة بنفسها المرتعش. كل اللي شيفاه هو وشين صغيرين مألوفين، وعينين شايلة إجابة لسه متقالتش.. كان قلبها بيقول
إنهما ولداي.
لكن عقلهم المذعور قال حاجة تانية.. كأنهم مخبيين سر أكبر من الجوع بكتير.
اللحظة اتجمدت في الهوا، كأن الزمن كعبل رجليه قدام التربيزة اللي قاعدة عليها هنا. هنا عينيها برقت وهي بتبص للسلسلة الرفيعة اللي في رقبة الولد الصغير.. دايرتين فضة، منقوش عليهم حرفين هي حافظاهم أكتر من اسمها ي و آ. السلسلة دي هي اللي كانت طلبتها مخصوص من الصايغ قبل ما ولادها يختفوا بشهور.. واحدة لكل طفل، وحرف لكل قلب.
بلعت ريقها بصعوبة، وحاولت تسيطر على نبرة صوتها عشان ماتخوفهمش، وقالت بحنان أم بتداري نارها يا حبيبي
الولاد بصوا لبعض بنظرة فيها حذر ولاد الشوارع اللي الجوع علمهم ميثقوش في حد، وبعدين قعدوا بخوف وتوتر. هنا شاورت للجرسونة بسرعة لو سمحتي.. وجبتين برجر كبار، وبطاطس، وعصير شيكولاتة.. بسرعة أرجوكي.
وعلى ما الأكل يجهز، هنا حاولت تطلع الكلام من بوقها من غير ما تنهار إنتوا منين يا حبايبي؟ ومين اللي واخد باله منكم؟
الولد الكبير شد كتافه لفوق، ورد بصوت فيه خشونة أكبر من سنه مفيش حد.. كنا مع راجل فترة وبعدين سابنا. بننام ساعات في الملجأ وساعات في الشارع.
إيد هنا وقفت في الهوا.. كلمة راجل دي لسعت ودنها زي الكرباج. الصغير كمل وهو بيلعب في طرف المنديل كان بيقول إننا غاليين.. بس خلاص بطلنا ننفع.
الأكل وصل، والولاد هجموا عليه بنهم صامت. هنا كانت مراقبة كل تفصيلة.. طريقة مضغهم، ترتيب اللقم، وحتى الطريقة اللي الصغير بيفرفر بيها العيش لما بيتوتر.. عادات صغيرة مفيش حد بيحفظها غير قلب الأم.
طلعت موبايلها من تحت التربيزة وبعتت رسالة إيديها بتترعش فيها لأخوها كريم، أنا في هاربر هاوس. قدامي طفلين صورة طبق الأصل من يوسف وآدم.. الندبة، الشامة، وحتى السلسلة. تعال فورا وهات معاك المحققة نهى. أرجوك بسرعة.
معداش