قلب ام بقلم نرمين عادل همام
نهى. أول ما الولاد شافوا الكارنيه بتاع الشرطة في حزام نهى، الكبير جسمه خشب وعينيه بدأت تدور على أقرب باب يهرب منه. هنا لحقتهم بسرعة دي صاحبتي مش هتعملكم حاجة.. بس إحنا عايزين مكان دافي تناموا فيه الليلة دي، سرير نضيف وأكل كتير وهدوم جديدة.. موافقين؟
الصغير بص لإيد هنا، وبعدين بص لأخوه الكبير.. الكبير هز راسه ببطء ليلة واحدة بس.
في القسم، كانت فيه أخصائية نفسية ومندوبة من حماية الطفل. الولاد استحموا وشربوا كاكاو دافي وقعدوا في أوضة هادية فيها كنبة مريحة وشباك بيطل على جنينة صغيرة. هنا وقعت على ورق الفحوصات، وكريم قاعد جنبها بيحاول يهدي نفسها كل ما إيدها تترعش.
دخلت نهى بعد ساعة ومعاها ظرف فيه عينات تحليل هنعمل تحليل DNA مستعجل، والنتيجة هتظهر بعد ساعات. بس قبلها، محتاجة أسألكم كام سؤال.
هنا بدأت تحكي تفاصيل اليوم المشؤوم اللي فات عليه 6 سنين.. الحديقة، عربية الآيس كريم، دقيقة واحدة كانت بترد فيها على إيميل شغل، وبعدها الفراغ الكبير اللي مبيخلصش. نهى حطت صور قديمة للتوأم، وقارنت الملامح بنظرة خبيرة.. الشامة، الندبة، كسرة الحاجب، وحتى شكل الودن الشمال.
في الأوضة اللي قدامهم، الأخصائية كانت قاعدة مع الولاد فاكرين بيتكم القديم؟ الكبير رد باب أحمر وشباك
دمعة سخنة نزلت من عين هنا وهي سامعاهم من ورا الزجاج.. الورد ده هي اللي كانت زرعاه بإيدها.
هنا كانت دايمًا تقول البيوت أسرار، بس السر اللي وجع قلبها 6 سنين كان محفور في شتلة دوار شمس زرعتها قدام البيت يوم ما يوسف وآدم تاهوا.. قالت ليوسف يومها ازرعها يا حبيبي عشان لما تضيع تلاقي البيت من بعيد، زي المنارة اللي بتنور للسفن وسط الضلمة.
الفجر شقشق على القاهرة، والشوارع بدأت تصحى. هنا غفلت دقايق وهي سانده راسها على كتف كريم أخوها، لحد ما فاقت على صوت الباب. دخلت نهى المحققة وهي ماسكة ظرف أبيض، ملامحها كانت ثابتة بس عينيها كانت بتحكي حكاوي.
قالت بهدوء، كأنها خايفة الكلمات تقع منها وتتكسر هنا.. نتيجة التحليل وصلت.
هنا تعلقت في الكلمات، وقلبها بقى بيدق في صدرها زي الطبلة، وعينيها بتترجى نهى تنطق. نهى صوتها اتهز غصب عنها وكملت هم ولادك يا هنا.. يوسف وآدم. التطابق مية في المية.
اللحظة دي مكنتش شبه الأفلام؛ الولاد مجريوش عليها ولا ارتموا في حضنها. بالعكس.. فضلوا قاعدين ساكتين، بيبصوا لكلمة ماما كأنها لغة غريبة سمعوها في بلد تانية ومابقوش عارفين ينطقوها.
هنا مدت إيدها على التربيزة بالراحة،
زياد اللي هو آدم اتردد ثانية، وبعدين حط صوابعه الصغيرة في كفها بحذر.. كأنه بيلمس حاجة رقيقة وخايف تكسره. هنا مابكتش بصوت عالي، اكتفت إنها تغمض عينيها وتهمس بوجع أنا هنا.. أنا هنا يا قلب ماما.
بدأت المعركة الأهم.. معركة الشفاء. المحكمة حكمت لهنا بالحضانة المؤقتة مع متابعة من الشؤون الاجتماعية. تقرير الطب الشرعي كان فيه حاجات توجع؛ آثار مهدّئات ومنومات خفيفة في دم الصغيرين، علامة على سنين من السيطرة الصامتة والخوف. نهى فتحت تحقيق موازي مين الراجل ده؟ وليه سابهم دلوقتي؟ وليه مغير أساميهم لأسامي قريبة من أساميهم الحقيقية؟
خيوط كتير بدأت تظهر، أولها كاميرا مراقبة قديمة قدام ملجأ ليلي، صورت ضِل راجل ضخم وهو بينزل الولاد من عربية قديمة بابها الشمال مخبوط. نمرة العربية ظهرت في لقطة خاطفة.. خيط واحد كان كفاية لنهى عشان تبدأ الحصر.
في البيت، هنا رتبت أوضهم زي ما كانت بالظبط.. بس بحذر. محطتش صور كتير على الحيطان عشان متخوفهمش بسيرة حياة هما مش فاكرينها. روتين أكل ونوم، وقوانين بسيطة الباب يتقفل براحة، مفيش مفاجآت من الضهر، ومفيش أسئلة كتير ورا بعض.
سيف يوسف كان بيمشي زي الخيال في طرقة البيت، يختبر مقابض الأبواب،
في ليلة صعبة، النور قطع فجأة مع عاصفة ومطرة شديدة. الضلمة دخلت البيت في ثانية. الولاد اتجمدوا في مكانهم؛ نفس آدم بقى عالي، وإيد يوسف مسكت مقبض الباب بقوة كأنه هيخلعه.
هنا ولعت شمعة فورا وقالت بصوت ثابت أنا هنا.. دي ضلمة بس، مفيش حد معانا.. سامعين صوتي؟
قربت منهم بالراحة عشان متفزعهمش، وقعدت على الأرض وسطهم، ورفعت الشمعة كأنها قنديل صغير فوق بحر من ذكرياتهم السودا. بعد دقايق نفسهم هدي، هنا قالت أنا عارفة إن الليل كان صعب زمان.. بس هنا، لو فيه أي ضلمة، إحنا اللي هنولع لها النور.. وعد.
الصبح، راحوا الجنينة.. نفس الجنينة اللي اتسرق فيها العمر. هنا اختارت بوابات تانية، ومقاعد تانية، وبياع آيس كريم مختلف. كانت بتشتري طعمين جداد ميعرفوش الخوف. وفي اليوم التالت.. آدم ضحك ضحكة كاملة من قلبه لأول مرة.
في يوم وهما في الجنينة، والولاد بياكلوا آيس كريم، حتة منه وقعت على مناخير آدم، راح يوسف مسحها بصابعه وضحك وقال جملة خلت قلب هنا يقف من الفرحة إنت دايمًا بتبوظ الآيس كريم يا صاحبي.
كلمة يا