قلب ام بقلم نرمين عادل همام
كانت كلمتهم السرية وهما صغيرين، رجعت لوحدها من تحت ركام السنين من غير استئذان، كأن الذاكرة بتنفض تراب الوجع وبتقول أنا لسه هنا.
على الناحية التانية، المحققة نهى مكنتش بتنام. مسكت خيط نمرة العربية وربطته بمخزن مهجور في منطقة مقطوعة. الراجل ساب العربية هناك وباعها لتاجر خردة، وبمراجعة السجلات ظهر اسم جابر المنياوي. موظف سابق في ملاهي متنقلة، وعنده سوابق في سرقة وتشغيل أطفال.
لما كبوا على الأوضة اللي مأجرها، لقوا بقايا تذاكر ملاهي قديمة، ونوتة صغيرة فيها حسابات يومية أكل، بنزين، سكن، دواء، وفي هامش إحدى الصفحات مكتوب حرفين ي و آ.
في التحقيق، جابر أنكر في الأول بكل بجاحة. بس لما نهى حطت قدامه صورة يوسف وآدم وهما صغيرين، وشاف براءتهم اللي سرقها، بص الناحية تانية. نهى سألته بحدّة سبتهم في الشارع ليه يا جابر؟
رد ببرود وصوت ميت كبروا.. ومصاريفهم بقت كتير ومابقتش عارف ألم منهم قرشين.
نهى سكتت لحظة من هول الرد وقالتله بقرف بترمي لحم ودم في الشارع عشان مصاريفهم كترت؟ أنت إيه يا أخي؟! مردش.. والكلابشات اتلمت على إيده، وقصة سنين من القهر انتهت بجملة باردة وصوت باب زنزانة بيتقفل.
بس الوجع مابينتهيش بمجرد الحبس. الليالي لسه فيها رعشة، ويوسف لسه عنده قدرة غريبة إنه يتوقع المصيبة
شهور عدت والحضانة ثبتت قانونياً. هنا نقلت شغلها كله من البيت، ملت الثلاجة بكل اللي بيحبوه، بدأت تسمي الأشياء بأسمائها عشان تطمنهم إن الأسماء بترجع زي ما الناس بترجع. استعادوا دراستهم بخطة هادية ومعاهم مدرسة بتساعدهم في ممرات مدرسة صغيرة بعيد عن الزحمة. هنا كانت بتتعلم إن الأمومة بعد الفقد مش بس رجوع، دي اختراع للحياة من أول وجديد.
في ذكرى اليوم اللي تاهوا فيه، هنا خدت صندوق صغير للجنينة، وقعدت مع ولادها على كنبة خشب وقالتلهم تعالوا ندفن كل اللي وجعنا.. مش عشان ننساه، بس عشان ميبقاش هو اللي سايق حياتنا.
يوسف حط في الصندوق البلاستيكة اللي كان بيخبيها، وآدم حط الكورة المطاطية، وهنا حطت ورقة مكتوب فيها هنفضل سوا.. حتى لو كل الأنوار انطفت.
دفنوا الصندوق تحت شتلة دوار الشمس الجديدة. وهما بيردموا التراب، هبت نسمة حنين مرت بين رؤوسهم التلاتة كأنها إيد بتطبطب على قلوبهم.
وفي يوم النطق بالحكم، هنا كانت قاعدة في المحكمة،
في المساء، وهما قاعدين بيتعشوا، آدم بص لهنا وقال بصوت هادي
ببوق مليان صلصة وضحكة بريئة، آدم بص لهنا وقال ماما.. هو ينفع نجيب كلب تاني؟
هنا بصت لآدم وبعدين ليوسف، اللي كان بيحاول يداري ابتسامة حقيقية ورا ملامحه اللي بدأت ترزن وتكبر. هنا ردت بحنان ينفع يا حبيبي.. بس هو اللي لازم يختارنا.
وبعد أسبوع، في ملجأ للكلاب، المنارة هو اللي اختارهم. كلب بلدي لونه بني، أول ما شاف يوسف راح حط راسه على رجله ورفض يتحرك من جنبه. سموه نور.. وبقى ينام قدام باب أوضتهم كل ليلة، كأنه حارس وصل متأخر بس المهم إنه وصل.
وفي ليلة شتوية، النور قطع تاني. نور الكلب جري وقف عند الباب، ويوسف وقف في مكانه بس المرة دي مكنش بيدور على مهرب. هنا ولعت شمعة زي ما وعدت، وقعدوا التلاتة على الأرض يلعبوا خيال الضل على الحيطة. آدم ضحك من قلبه لحد ما دمع، ولما النور رجع، محدش فيهم قام من مكانه.. النور المرة دي مكنش في اللمبة، النور كان جوه قلوبهم.
بعد سنة بالتمام من يوم لقاء المطعم، رجعوا لنفس المكان في الزمالك.
هنا طلبت عصير شيكولاتة للكل عشان تفكرهم بأول ليلة، آدم ضحك وقال دلوقتي بقيتوا إنتوا اللي بتبوظوا النظام!
ضحكت هنا وطلعت من شنطتها ظرف أبيض صغير. الولاد فتحوه ولقوا سلسلتين فضة جداد، كل واحدة منقوش عليها حرفين ي و آ، بس على الوش التاني كلمة واحدة البيت. قالت هنا وهي بتبص في عينيهم السلسلة دي المرة دي مش عشان ماتتوهوش.. المرة دي عشان تفتكروا دايمًا إننا لقينا بعض.
وعند الباب وهما خارجين، يوسف لف وبص للصالة كأنه بيدور على خيال قديم، وبعدين هز راسه كأنه بيقفل باب جوه نفسه للأبد. مد إيده ومسك إيد أمه، وآدم اتعلق في دراعها التاني. خرجوا لليل القاهرة، والهوا كان بارد ومنعش، والتلاتة ماشيين بخطوات واثقة، لا بتجري من خوف ولا خايفة من بكرة.
الحكاية مخلصتش هنا، لأن القصص اللي بتتكتب بالدموع مبتنتهيش بنقطة، بتنتهي بنبض بيكمل. بس هنا عرفت أخيراً اللي تاه منها سنين إن القلب اللي بيفضل مفتوح على شباك الأمل، لازم هييجي يوم ويلاقي
اللي يقف قدامه ويقول إحنا هنا.
وفي نوتة قديمة كانت مخبياها تحت مخدتها من ست سنين، كتبت جملة واحدة وقفلت الصفحات أنا ممرجعتش ولادي بس.
تمت