عمري ماكنت اتخيل بقلم زهرة الربيع

لمحة نيوز

عمري ما كنت أتخيل إن غلطة صباع على شاشة موبايل مكسورة ممكن تهد بنيان وتبيعه من جديد.
كنت قاعدة في أوضتي الضيقة فوق السطوح في عزبة الهجانة. الجو كان ساقع وشوية الهوا اللي داخلين من شباك خشب موارب كانوا بيحسسوني إني عايشة في تلاجة. النور كان مقطوع.. مش عطل فني، لا ده عطل جيبي أنا، عشان صاحب البيت حلف يمين لو مدفعتش المتأخرات هيشيل العداد خالص.
في الركن، كان ابني مروان، حتة من قلبي اللي ملحقتش تفرح، نايم وجسمه نار. مروان عنده 4 سنين، بس المرض خلى جسمه أرفع من سنه بكتير. كان بيأن أنة ضعيفة، وكل أنة كانت بتنزل على صدري تقطعه.
مسكت إزازة الدواء.. مفيش، فاضية. قلبتها على المعلقة نزلت نقطة واحدة يتيمة. بصيت في المحفظة، لقيت تلاتة وعشرين جنيه وكمشة فكة.. والروشتة اللي الدكتور قال لي فيها يا نادية الباد بوي ده السخونية لو منزلتش الصبح، الواد هيدخل في مضاعفات.
أعمل إيه؟ أروح لمين؟ الدنيا سدت في وشي. مفيش غير سيد ابن خالتي، اللي كل ما بيساعدني بقرش بيفضل يذل فيا شهر. مسكت الموبايل وبإيد بتترعش من البرد والكسرة كتبت
يا سيد، أبوس إيدك مروان هيروح مني وسخن نار ومعيش تمن الدوا. سلفني 800 جنيه وهقبض من المشغل آخر الأسبوع وأردهم لك.. ابوس إيدك لا تكسفني.
دوست إرسال وغمضت عيني ودعيت ربنا يلين قلبه. خمس دقايق والموبايل نور.. فتحت الرسالة وأنا بجهز نفسي للتهزيء، بس لقيت جملة واحدة
أظن حضرتك بعتي الرقم غلط.
قلبي وقع! بصيت للرقم، لقيتني غلطانة في آخر رقمين.. بدل 05 كتبت 50. يادي الخيبة التقيلة يا نادية! كتبت له بسرعة وأنا كلي خجل أنا آسفة جداً، الرقم جه غلط، انسى الرسالة وحقك عليا.
كنت هقفل، بس الموبايل اتهز تاني

الطفل ماله؟ وسخونيته كام؟
استغربت.. مين ده اللي مهتم؟ وبيرد بالهدوء ده ليه؟ خفت يكون حد عايز يتسلى بيا، بس مروان كح كحة وجعته أوي وصرخ بصوت مكتوم ماما.. عطشان.
هنا انهرت.. ورديت بصدق ووجع ابني بيموت ومعيش أجيب له خافض حرارة، ولازم الدوا قبل الفجر.. ادعي له حضرتك.
أنا مكنتش أعرف إن اللي بكلمه ده هو آدم المنشاوي.
آدم ده اللي صوره في المجلات الاقتصادية، اللي بيحرك البورصة بكلمة. الراجل اللي السهر عنده في شقته اللي في الزمالك عبارة عن صفقات بالملايين ومزيكا هادية. بس آدم ده، كان جواه تار بايت مع السخونية دي.. تار قديم من يوم ما نار حرقت بيته وزمانه، وخدت منه مراته وبنته الوحيدة اللي كان عندها سنة واحدة.. بنته اللي قالوا له إنها اتفتت في الحريقة وملهاش أثر.
آدم رد عليا بلهجة فيها أمر ابعتي العنوان فوراً، هبعت لك الدوا.
قلت له لا ابعت الفلوس كاش وأنا هتصرف.
قال لي بحدة قلت العنوان.. مفيش وقت.
بعت العنوان وأنا مرعوبة.. وبعد نص ساعة، الحارة كلها نورت بنور عربية رانج روفر سوداء، وقفت قدام باب البيت المهدود. كنت فاكرة سواق اللي هينزل، بس اللي نزل كان هو.. هيبة، وطول، وشخصية تخليكِ توطي راسك من غير ما تحسي.
فتح الباب ودخل الأوضة.. بص للمكان بقرف ممزوج بشفقة، وبعدين بص لمروان وحط شنطة الصيدلية على السرير. أنا آدم.. وجبت الدوا بنفسي عشان أتأكد إنه وصل.
جيت أشكرُه وأنا بوطي عشان أرفع راس مروان أديله الدوا، الياقة بتاعتي مالت.. واللمبة السهارى اللي كنت منوراها ببطارية بينت السلسلة اللي في رقبتي.
السلسلة الفضة اللي فيها فص فيروز ومحفور عليه حرف A.
آدم سكت.. كأن حد ضربه بالرصاص.
شنطة الدوا وقعت من إيده، وعينه
برقت لدرجة خوفتني. مد إيده ببطء وهو بيترعش.. لمس السلسلة كأنه بيلمس شاهد قبر.
السلسلة دي.. السلسلة دي معاكي منين؟
اتجمدت مكاني.
إيده كانت ماسكة السلسلة كأنه خايف لو سيبها هتختفي من بين صوابعه، وعينه مش على مروان ولا على الدوا عينه كانت غارقة في حاجة أبعد بكتير من الأوضة الضيقة دي.
همست وأنا قلبي بيخبط
في إيه؟ السلسلة دي بتاعتي من زمان دي اللي كانت معايا من وأنا في ملجأ الأيتام.
ساعتها وشه اتغير.
الهدوء اللي كان فيه اتكسر فجأة، وصوته خرج مبحوح
ملجأ أيتام؟ إسمه إيه؟
استغربت سؤاله، بس قلت
ملجأ النور في شبرا أنا اتربيت هناك لحد ما خرجت على الدنيا لوحدي.
المرة دي هو اللي رجع خطوة لورا.
بص لمروان، وبعدين للسلسلة تاني، وقال بصوت واطي كأنه بيكلم نفسه
مستحيل مش ممكن تكوني
قاطعته بخوف
أنا مين؟ في إيه؟
سكت ثواني، والسكوت كان تقيل كأن الأوضة نفسها وقفت نفس.
وبعدين فجأة سأل سؤال وقع عليّا زي الحجر
اسم أمك إيه؟
اتلخبطت.
ليه راجل زي ده، ملياردير، واقف في أوضتي يسأل عن أمي؟
بلعت ريقي وقلت
اسمها نوال.
في اللحظة دي آدم غمّض عينه جامد، كأنه بيحاول يمنع حاجة جواه تطلع.
وفتح عينه تاني كانت مختلفة.
مش نظرة رجل أعمال.
دي كانت نظرة حد شاف شبح من الماضي.
قال بصوت مكسور لأول مرة
يبقى مفيش غلط في الرقم.
سكت.
وبعدين كمل
إنتي مش غريبة عني يا نادية إنتي اللي كنت بدوّر عليها من سنين.
حسيت الأرض بتلف بيا.
بتدور عليا أنا؟ ليه؟ أنا مليش حد!
قرب مني خطوة واحدة بس، وقال الجملة اللي قلبت حياتي كلها
لأنك أختي.
في اللحظة دي مروان كح كحة أقوى، والساعة كانت بتعدّي والدوا لسه في الإيد.
وآدم، اللي لسه بيعرف الحقيقة، اتنفض فجأة وقال
مش
وقت الكلام ده الولد ده لازم يفضل عايش الأول.
فتح الشنطة بإيده المرتعشة، وبدأ يجهز الدوا بنفسه
بس عينه كانت كل شوية بتقع عليا، كأنه خايف أختفي أنا كمان زي الماضي.
وفي اللحظة اللي حقنة الدوا دخلت جسم مروان
التليفون رن.
رقم مجهول.
آدم بص للشاشة ووشه اتجمد تاني، وقال بهمس
هم رجعوا
وكأن اللي جاي مش هيكون إنقاذ
لكن بداية نار تانية أكبر بكتير من اللي فات آدم فضل باصص على الشاشة، وإيده اللي كانت ماسكة التليفون بدأت ترتعش لأول مرة.
الرقم المجهول بيرن بإصرار، كأنه مش ناوي يسيب فرصة لحد يفكر.
أنا بصيت له بخوف
مين؟ في إيه؟
بس هو ما ردّش.
ضغط على زر الإغلاق، بس التليفون رن تاني فورًا.
المرة دي، آدم رد وصوته كان بارد بشكل مرعب
إنتوا عايزين إيه؟
جاله صوت من الناحية التانية، واصل لينا من السماعة بس أنا ما كنتش سامعة الكلام لكن وش آدم اتغير لحظة بلحظة.
عيونه سكنت وبعدين اتقلبت غضب.
قلتلكم انتهى الموضوع من سنين! صرخ فجأة.
وقفل الخط بعنف.
سكون غريب نزل على الأوضة.
مروان بدأ نفسه يهدى شوية بعد الدوا، بس أنا كنت لسه واقفة في نفس اللحظة اللي حياتي اتشقّت نصين.
قرب مني آدم خطوة، وقال بصوت أوطى
اللي حصل دلوقتي مش صدفة الرقم اللي بعتيله الرسالة، والسلسلة وحتى وجودي هنا.
بلعت ريقي
أنا ماليش دعوة بحاجة أنا كل اللي يهمني ابني.
هنا عينه رقّت لأول مرة.
قعد جنب مروان على السرير، وقال بهدوء
ابنك هيبقى بخير بس اللي جاي أخطر من السخونية.
رفعت صوتي بانفعال
أخطر من إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة! أختك؟ ملجأ؟ ناس بتهددك؟ أنا داخلة في إيه؟
سكت لحظة، وبعدين قال الجملة اللي خلت دمي يتجمد
السلسلة دي مش بتاعتك لوحدك دي دليل إنك نجوتي من حاجة
أنا كنت فاكرها انتهت.
قبل ما أرد، خبط على الباب خبطات عنيفة.
خبط خبط خبط.
الأوضة كلها سكتت.
آدم
 

تم نسخ الرابط