قصة جديدة
وأنا لسه خريجة جديدة من الكلية، أمي تعبت. سيبت الشغل وروحت قعدت أراعيها شهرين.
يوم ما خرجت من المستشفى، وأنا بعمل لها أكل في المطبخ، فجأة قالتلي
في المستقبل لما تخلفي، ما تتوقعيش إني أنا اللي هربي عيالك، ماشي؟
اتخضيت وسكت.
وبعدين قالت بتبرير وفيها إحراج
بيقولوا إن خالة الأم اللي بتربي العيال بتبقى غبية مهما تعملي معاهم، في الآخر بيروحوا لأهل أبوهم.
كملت تقليب الأكل في الطاسة من غير ما أرد.
وبعد فترة، اتجوزت وخلفت. ماجتش تزورني غير زيارة واحدة بس بعد أول شهر من ولادتي، وقعدت كام ساعة ومشيت في نفس اليوم.
قالت عندها شغل في البيت ومش هتعرف تقعد.
بس أنا كنت عارفة إن مفيش شغل كانت قاعدة مع بنت خالتي ليلى.
وساعتها، عشان أعالج أمي، كنت صرفت تقريبًا كل اللي ادخرته من بعد التخرج.
ليلى دي بنت خالة أمي الصغيرة، أصغر مني بسنتين.
من وهي عندها 12 سنة، أبوها دخل في مشكلة وخناقة كبيرة، فاضطروا يخلّوها تقعد عندنا مؤقتًا.
بس المؤقت ده بقى أكتر من 10 سنين.
كنا عايشين 3 أفراد في شقة صغيرة فيها أوضتين وصالة في القاهرة.
أوضة ليا، وأوضة لوالديّ.
لما ليلى جات، أمي قسمت الصالة.
عملت أوضة ضيقة جنب البلكونة.
ومن جوايا كنت دايمًا بقول ليه هي مش هي اللي تقعد في المكان الضيق ده؟
بس أمي كانت تبصلي
يا لُهفة، ليه البخل ده؟
البنت غلبانة! يعني فاضل لك كام يوم في البيت أصلًا؟
كنت أبص لأبويا، يهرب من عيني ويسكت ويتفرج على التلفزيون.
وفي الآخر، أنا اللي خسرت أوضتي واتقال عليا بخيلة.
البلكونة كانت بتاعة نشر الغسيل، فمكانها مكنش فيه أي خصوصية.
طلبت من أمي ستارة، زعقت فيا وقالت
فاكرة الفلوس بتيجي من الشارع؟
مش شايفة الظروف؟
خفت أسكت.
وبعدها لقيت إنها جابت ستارة جديدة لليلى.
في ثانوية عامة كنت ضعيفة في الرياضة الرياضيات.
وقلت لأمي إني عايزة دروس.
سألتني بكام.
قلت لها 2000 جنيه في الترم. كان سعر قليل جدًا.
اتعصبت وقالت
2000 جنيه دي قليلة؟ إنتي فاكرة الفلوس بتيجي بسهولة؟
وفي الآخر رفضت تدفع.
بعدها عرفت إن ليلى دخلت مدرسة خاصة عشان امتحانها كان وحش، وأمي دفعت فلوس كتير جدًا عشان تدخلها مدرسة كويسة، رغم إن بابا كان متعسر في الشغل.
وبدأت تحسب كل قرش بصرفه.
بقت تقولي الأكل في المدرسة كفاية.
فجأة قللت مصروفي من 6000 ل 4500.
كنت بأكل أقل، وأحيانًا ما بتعشىش.
وفي المدرسة كنت أشارك أكلي مع زميلة زيي عشان نوفر.
وبكده كنت أوفر شوية.
وفي تالتة ثانوي، مدرسة الرياضة الرياضيات عرفت ظروفي وبدأت تشرحلي بعد المدرسة ببلاش.
كنت عاملة وعد أرجع أدفعلها لما أشتغل.
كانت دايمًا تجيب
وفي يوم، وهي بتمدلي كيس لبن زي العادة، قالت فجأة بصوت أخف إنتي مش لازم تفضلي كده إنتي أقوى من اللي حواليكي.
جملتها دي وقفت في دماغي.
مش عارفة ليه، بس حسّيت لأول مرة إن في حد شايفني أنا مش البنت اللي لازم تتحسب كل جنيه عليها.
الليلة دي، وأنا راجعة البيت، لقيت باب الشقة مفتوح بشكل غريب.
صوت أمي كان عالي جوه مش صوت زعيق عادي، لأ كان فيه توتر.
دخلت بسرعة، ولقيت ليلى واقفة في الصالة ووشها أبيض، وأبويا قاعد ساكت بشكل مريب.
وأمي ماسكة ورق في إيديها وبتقول يعني إيه الكلام ده؟ إنتي كنتي مخبية عليّا؟
وقبل ما أفهم، ليلى بصّتلي بصّة عمري ما شوفتها في عينيها قبل كده.
خوف.
بس مش خوف مني خوف من اللي هيحصل.
أمي رمت الورق قدامي اقري!
بصيت والدم اتجمّد في عروقي.
كانت ورق تحويلات فلوس بإسم ليلى.
مبالغ صغيرة بس متكررة جاية من رقم دولي.
أمي صرخت مين اللي بيبعتلك الفلوس دي؟ وإنتي مخبية ليه؟!
ليلى حاولت تتكلم، صوتها بيتهز ده ده شغل أونلاين أنا كنت بساعد نفسي في المصاريف
بس أمي ما سمعتش.
شغل إيه؟ ومن غير ما تقولي؟ ومن
في اللحظة دي، أبويا وقف فجأة وقال بصوت واطي سيبي البنت شكلها مش حاجة وحشة.
أمي لفّت له بسرعة إنت كمان عارف؟
سكت.
وهنا حصل اللي عمره ما حصل قبل كده.
أمي بصّتلي أنا.
بصّة طويلة كأنها بتفتش جوايا على حاجة.
وقالت بهدوء مرعب وإنتي كنتي عارفة؟
حلقي نشف.
لو قلت آه هتبقى خيانة. لو قلت لأ هبقى بكذب.
وقبل ما أرد، ليلى فجأة قالت هي ملهاش دعوة أنا كنت لوحدي.
لكن صوتها كان بيترعش.
وفي ثانية، أمي مسكتها من دراعها إنتي فاكرة نفسك ذكية؟ بتشتغلي وبتخبّي؟ في بيتي؟!
ليلى اتسحبت للخلف ووقعت الورق على الأرض.
وانا للمرة الأولى في حياتي، حسّيت إن في حاجة جوايا بتتكسر.
مش خوف.
غضب.
غضب مش قادر يطلع صوت.
ساعتها بصيت لأمي وقلت بصوت واطي جدًا كفاية
كل اللي في البيت سكت.
أمي رفعت عينيها إنتي بتقولي إيه؟
اتكلمت تاني، المرة دي أوضح بقول كفاية.
الهواء في الأوضة اتغير.
أبويا قام نص قيامه، كأنه مستني الانفجار.
وأمي قربت مني خطوة إنتي واقفة ضد أمك؟
لكن قبل ما أرد
ليلى فجأة أخدت خطوة لقدّام وقالت بصوت عالي لأول مرة أنا مش عايزة أعيش هنا تاني.
الصمت نزل زي حجر تقيل.
أمي اتجمدت.
أنا بصيت لها وهي بتتكلم لأول مرة من غير خوف.
أنا هسافر وهكمّل لوحدي
أمي ضحكت ضحكة قصيرة مش مفهومة تمشي؟ وإنتي فاكرة
ليلى بصّت لها مباشرة أنا اللي كنت بتعاملي زي الضيفة مش بنت البيت.
الجملة دي ضربت